عبد الكريم الخطيب

1098

التفسير القرآنى للقرآن

تعرض هذه الآية صورة من عناد المشركين ، وتأبّيهم على الحق ، وشرودهم عن الهدى . . وذلك أنهم إذا تليت عليهم آيات اللّه ، وقعت كلماتها في قلوبهم موقع النكر ، فاشمأزوا منها ، وضاقوا بها ، وظهر على وجوههم ما اعتمل في صدورهم من حنق وغيظ ، وكادت أيديهم تتحرك بالتطاول والأذى ، ينالون به من يتلو عليهم آيات اللّه ، ويسمعهم إياها . . هذا هو حال أهل الضلال ، مع كل دعوة راشدة ، وفي وجه كلّ كلمة طيبة . . إنهم يزورّون بالخير ، ويضيقون ذرعا بالهدى - شأن المدمن على منكر من المنكرات . . يؤذيه الحديث الذي يكشف له عن وجه هذا المنكر ، وعن سوء مغبته ، وما يجرّ عليه من فساد لعقله ، وجسده ، وماله . . - وقوله تعالى : « قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ » . . الإشارة هنا « ذلِكُمُ » إلى المنكر الذي يبدو على وجوه الكافرين ، لما يقع في نفوسهم من ضيق وأذى مما يسمعون من كلمات اللّه . . فهذا الضيق الذي يجدونه في صدورهم ، هو شرّ وأذى يقع في أنفسهم . . ولكنه شرّ قليل وأذى محتمل بالإضافة إلى ما يلقون يوم القيامة من عذاب أليم . . فلو أنّهم راضوا أنفسهم على الاستماع إلى كلمات اللّه ، وصبروا قليلا على هذا الدواء المرّ الذي تجده نفوسهم المريضة منه - لوجدوا برد العافية من هذا الضلال الذي هم فيه ، ولآمنوا باللّه ، ولنجوا من عذاب السعير ، ولدفعوا بهذا الشرّ الذي يجدونه في صدورهم شرّا مستطيرا ، وبلاء عظيما . . وهو العذاب الأليم في الآخرة . . وفي تسمية ما يجده المشركون من ضيق في صدورهم عند الاستماع إلى كلمات اللّه - في تسميته شرا ، إنما هو بالإضافة إليهم ، وحسب نظرتهم إليه . . إنهم يجدون ما تعرضه عليهم آيات اللّه من دواء لدائهم ، وهو الشرّ الذي يصرفهم عن الحياة والعيش مع هذا الداء المتمكن منهم . .