عبد الكريم الخطيب
1075
التفسير القرآنى للقرآن
وقد تداخلت مع هذه الرواية روايات أخرى ، وكأنها تريد أن تفسر هذه الواقعة ، وتجد لها وجها تقبل عليه . فتقول بعض الروايات : إن الشيطان ألقى على لسان النبىّ هذا القول ، الذي قاله في حق الآلهة - اللات والعزى ومناة - وأنه صلى اللّه عليه وسلم ، كان قد ألمّ به ضيق وحزن شديد ، لما كان بينه وبين قومه من خلاف مستحكم ، « فتمنى » في تلك الحال أن لو نزل عليه شئ من القرآن يقارب بينه وبين قومه ، ويباعد شقة الخلاف بينه وبينهم ، ولهذا فإنه - عليه الصلاة والسلام - حين تلا سورة النجم ، وبلغ الموضع الذي تذكر فيه آلهتهم ، ألقى الشيطان إليه بهذه الكلمات ، التي ترفع من شأنها ، وتجعل لها مكان الشفاعة عند اللّه . . ثم تستطرد الرواية فتقول : « إن جبريل - عليه السلام - جاء إلى النبىّ ، فلما عرض عليه النبىّ السورة بما أدخله الشيطان عليها ، قال له جبريل : « ما جئتك بها هكذا ! ! » فحزن النبىّ لذلك ، فنزل قوله تعالى - تسلية له - : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ . . » ثم قوله تعالى : « وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا * إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً » ( 73 - 75 : الإسراء ) . ونقول : إن هذه الروايات ، وتلك النقول ، كانت موضع إنكار ، واستنكار عند بعض المفسّرين ، وأصحاب السير . . إذ كانت - في صورتها تلك - عدوانا صارخا على مقام النبوّة ، ونسخا صريحا لعصمة النبىّ . ! وقد كان القاضي عياض خير من تصدّى لهذه الأكذوبة ، وفضح مستورها