عبد الكريم الخطيب

1006

التفسير القرآنى للقرآن

إن من في السماوات ومن في الأرض ، من عوالم ومخلوقات كبيرة أو صغيرة ، عاقلة ، أو غير عاقلة ، حيّة أو جامدة . . كلها تسبح بحمد اللّه ، وتنقاد لمشيئته ، وتخضع لأمره . . إلّا هذا الصنف الشقىّ الضالّ من بنى الإنسان ! وإن هؤلاء الأشقياء ، لفى عزلة عن هذا الوجود ، بل وفي حرب معه . . إنهم أشبه بجماعة من الخارجين على نظام المجتمع والعابثين بحرماته ومقدّساته . . فالمجتمع كله حرب عليهم ، وإنهم لن يفلتوا من عقابه ! . وتسبيح الكائنات بحمد اللّه ، هو في جريانها على سنن اللّه التي أقامها عليها . . فهي لا تخرج أبدا عن هذه السّنن ، ولا تفلت من عقد الوجود الذي انتظمت في سلكه ، وكانت حبّة من حبّاته . . « لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ! » ( 40 : يس ) وفي هذا انقياد للّه ، وولاء له . . والإنسان وحده - فيما يظهر لنا - هو الذي منحه اللّه إرادة عاملة ، ومشيئة تسمح له بأن يختار الطريق الذي يرضاه ، دون قهر أو إلزام . . وليست كذلك الكائنات الأخرى ، التي لا تملك هذه الإرادة ، ولا تجد تلك المشيئة ، إنها مسخّرة ، على حين أن الإنسان مخيّر ومريد . . إنها لا تملك من أمرها شيئا ، على حين أن الإنسان هو سيد نفسه ، ومالك أمره . . وهذا تكريم من اللّه له ، إذ جعله سبحانه وتعالى على صورة أقرب إلى صورته ، فجعله مريدا ، عالما ، مختارا . . كما يشير إلى ذلك الحديث : « خلق اللّه آدم على صورته » . وهذا التكريم ، هو ابتلاء لآدم ، وهو الأمانة التي حملها ، وأبت السماوات والأرض أن يحملنها وأشفقن منها . . وكان عليه أن يثبت لهذا الامتحان ، وأن يؤدى الأمانة التي حملها ، حتى يكون أهلا لهذا التكريم ،