عبد الكريم الخطيب
992
التفسير القرآنى للقرآن
في القبور . . أما متى تأتى فذلك علمه عند اللّه . . وأما كيف يكون المبعث فذلك إلى قدرة اللّه ! ! قوله تعالى : « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ » . تحدّثت الآيات السابقة عن صنف من المجادلين بغير علم حيث يتصدّى الواحد منهم بجهله ، لكل رأى ، ويدخل في كل قضية ، آخذا الطّرف المنحرف منها ، دون أن يكون له رأى نظر فيه بعقله ، وهدى إليه بتفكيره . وإنما هو الخلاف عن هوى وعمى ، ليثبت وجوده أمام نفسه ، ويعلن عن ذاته بأنه من أصحاب الرأي ، وأنه إذا كان للعلماء ما يقولون ، فإن له هو ما يقول ! ! وفي هذه الآية أصناف من الناس ، يجادلون بغير علم من أنفسهم ، أو بهدى من غيرهم ، أو عن كتاب صحيح في أيديهم ، ليجمع الواحد منهم هذه الضلالات كلها . . فيكون جاهلا في نفسه ، ثم يكون متأبّيا على من يدعوه إلى العلم ، ثم يكون مع هذا غير ناظر في كتاب صحيح . . ومع هذا فهو يجادل في الحق ، ويدفعه بيديه دفعا . وقد يجادل أحدهم وهو جاهل لا علم عنده ، ولكنّه يردّد كلمات سمعها من غيره دون أن يعقلها ، ويتعرف إلى ما فيها من هدى وضلال . . ثم يتخذ من هذه الكلمات مادة للجدل . . وقد يستند أحدهم في جدله إلى كتاب قد دخل عليه الافتراء والكذب ، فاختلط فيه الحق بالباطل . . وفي ذلك تعريض بأهل الكتاب - وخاصة اليهود - الذين زيّفوا التوراة ، ثم استقبلوا بها النبىّ يجادلونه ، ويحاجّونه بما فيها من أحكام وأخبار ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : « وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ » . . فالكتاب الذي كان منحرفا ، غير ملتزم طريق الحق ، كان قوة عاتية من قوى الضلال والفساد . إنه يقود إلى الضلال والظلام . .