عبد الكريم الخطيب
986
التفسير القرآنى للقرآن
مما أرادوا ، وكلّ ما أمسكوا به في أيديهم ، هو صور باهتة ، إن دلّت على شئ ، فإنما تدلّ على تأكيد هذه الحقيقة ، وهي أن « الخلق » للّه وحده ، وأن غاية العلم ، لا تتجاوز أبدا أكثر من هذه الوقفة على شاطئ الحياة ، بعيدا عن لمس بحرها العميق . . إن كلّ ما يجريه العلماء من بحوث ، وما يضعونه من موادّ في مخابيرهم وأنابيبهم ، هو من عناصر الحياة نفسها ، التي خلقها الخالق جلّ وعلا . . وأن هذه الأطياف من الحياة التي تطلّ على العلماء من مخابيرهم وأنابيبهم ، إنما هي من بذور الحياة التي أوجدها الخالق ، وقدّر لها سبلا تسلكها ، لتثمر ثمر الحياة ، فغيّر العلماء سبيلها ، وعدلوا بها عن طريقها المرسوم ، الذي خطّته لها القدرة الإلهية . . ! فإذا نجح العلم في هذا التدبير ، واستطاع أن يصل إلى شئ من صور الخلق - وهيهات - فإن ذلك لا يعدو أن يكون نبتة من نبات تلك البذرة التي أوجدها الخالق ، وكل ما كان من العلم والعلماء ، هو أشبه بنقل نبات من تربة غير تربته ، واستنبات نوع من النبات في غير موطنه . والذي نحبّ أن ننبه إليه هنا ، هو أن الإسلام - شريعة وعقيدة - لا ينظر إلى تلك المحاولات التي يحاولها العلم في حقل الحياة - نظرة متكرهة أو معادية ، بل إنه يزكّى هذا البحث العلمي ، ويطلق للإنسان العنان في البحث والدرس ، وإجراء ما يشاء من التجارب في عملية الخلق ، فهذا كله قراءة في كتاب الكون ، وتأمل وتدبّر في آيات اللّه . . وما يصل إليه الإنسان من كشوف علمية ، وحقائق كونية ، هو منظور إليه من جانب الإسلام على أنّه رسالة العلم ، في الكشف عن قدرة اللّه ، وعلمه ، وحكمته . . الأمر الذي يفتح للناس الطريق إلى الإيمان باللّه ، ويجلّى عن عقولهم وقلوبهم غياهب الشك والشرك