عبد الكريم الخطيب
982
التفسير القرآنى للقرآن
وثالثا : إمساك الحياة ببعض « الشيوخ » حتى يبلغوا أرذل العمر ، هو وجه مقابل لحياة الطفولة في الإنسان . . حيث ينحدر الإنسان شيئا فشيئا ، ويتدلّى قليلا قليلا حتى يقع على الأرض ، فيصبح كومة من اللحم ، يضرب برأسه على الأرض لتفتح له رحمها ، وتهيئ له مكانا فيه . . تماما كالجنين ، حين تفتّح له رحم أمه . . فخرج منه . . إنها دورة في نصف دائرة . . أشبه بالشمس في شروقها وغروبها . . ثم لا بد أن تتم هذه الدورة لتكون دائرة كاملة ، فهذا هو نظام الكون في أفلاكه جميعا ، إنها تدور في دائرة كاملة . . والإنسان ما هو إلا كون من هذه الأكوان . . يشرق ، ثمّ يغرب ، وبذلك يتم نصف دورته . . أما النصف الآخر فيقطعه وراء هذا العالم - عالم الظاهر - ثم يعود ليطلع من جديد في عالم الظهور ! . وفي التعبير القرآني عن امتداد العمر إلى ما بعد الشيخوخة بقوله تعالى : « أَرْذَلِ الْعُمُرِ » إشارة إلى أن هذه النهاية التي ينتهى إليها الإنسان في مسيرة حياته ، هي أرذل مرحلة ، وأخسّها ، وأسوؤها في حياته . . إذ بها يتحول الإنسان إلى كائن هو مسخ لهذا الإنسان . . حيث تأخذ منه الحياة كل يوم شيئا ، وتستردّ شيئا فشيئا ممّا كانت قد أعطته . . لقد استقبلته الحياة وليدا ، فأرضعته من ثديها ، النّماء ، والقوة ، والإدراك ، والعلم ، والمعرفة . . وما يزال هذا دأبها به حتى يبلغ غايته ، ويستوفى كل ما يمكن أن تعطيه طبيعته . . وهنا تدعه الحياة ينفق مما أخذ منها ، وفي كل يوم ينقص رصيده الذي ادخره ، من النماء والقوة والإدراك والعلم والمعرفة . . وهكذا يتقلّص