عبد الكريم الخطيب
980
التفسير القرآنى للقرآن
الأنظار . . ثم ها هي ذي تعود بحملها ، وقد ثقلت ، وكادت تتقطع أنفاسها ، وتسقط في اليمّ بما حملت ! ولكن يد القدرة القادرة تمسك بها ، حتى تبلغ الشاطئ ، وتلقى بما حملت ! وما هذا الحمل الذي ألقت به على شاطئ الحياة ؟ ومن أين جاءت به ؟ إنه تلك النطفة ، أو المضغة التي أقلعت بها من الشاطئ . . ثم دارت بها تلك الدورة الطويلة ، فتخلّق من هذه المضغة هذا « الطفل » الذي هو صورة كاملة مصغرة من هذا الإنسان الذي دفع به إلى السفينة نطفة ، ثم ها هو ذا يستقبله إنسانا ! وما أبعد ما بين النطفة والإنسان ، فيما ترى العين ، ويشهد العقل . . وما أقرب ما بين النطفة والإنسان في يد الخالق ، المبدع ، المصوّر ! . ثم ما هذا الطفل ، أو ذلك الإنسان المصغر ؟ إنه كائن لا يملك من أمره شيئا . . ولكن مهلا ، فإن يد القدرة ممسكة بيده . . فانظر كيف تجعل من هذا الطفل رجلا ، كما جعلت من النطفة طفلا ! « ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ » . فها هو ذا الطفل في يد القدرة القادرة ، تمدّه بأسباب النّماء والقوة ، يوما بعد يوم وحالا بعد حال . . وإذا هذه الكومة من اللحم المتحركة في كيانها المحدود ، تحبو ، ثم تقفز كما تقفز الضفدع ، ثم تمشى على أربع كما تمشى الدواب ، ثم تقوم منتصبة القامة ، تمشى على رجلين . . ثم . . وثم ، وثم . . حتى يبلغ أشده وبصير رجلا . .