عبد الكريم الخطيب
978
التفسير القرآنى للقرآن
فإذا كان الإنسان يملك أن يهيئ الأرض ، ويبذر البذر ، ويسوق إليه الماء . . فهل له يد يمكن أن يمدّها إلى تلك الأسباب المهيأة ، والتي هي كلها أدوات لم يكن من صنعه شئ منها ، بل كل سبب منها مسبب عن أسباب . . وكل سبب من هذه الأسباب ، مسبب عن أسباب أخرى . . وهكذا - نقول : هل له يد يمكن أن يمدّها إلى تلك الأسباب ، فيخرج منها النبات الذي بذر بذرته ، وانتظر ثمرته ؟ وإذا كان الإنسان يملك أن يجد في كيانه النطفة ، ثم يهيئ المكان الذي يقذفها فيه ، ثم يقذف بالنطفة في هذا المكان المهيأ لها - فهل له مجال هنا في أن يزحزح تلك النطفة التي نزلت بمكانها المهيأ لها ، ثم جهدت جهدها ، فكانت علقة ، ثم كانت العلقة مضغة - نقول : هل له مجال هنا في أن يزحزح تلك النطفة - وقد أصبحت مضغة - إلى أبعد من هذا ، وأن ينفخ فيها نفخة الحياة ، وأن يمسك بها في الرّحم ؟ جواب واحد ، ينطق به الحال ، ويشهد له الواقع ، وهو : « لا » ! إنه لا حول للإنسان ولا طول له ، في هذا الأمر أو ذاك ، وإنه ليس إلا العجز ، والتسليم ، ليد قادرة ، خالقة ، مبدعة . . لا حدود لقدرتها ، ولا نهاية لإبداعها . واستمع إلى قوله تعالى : « أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ؟ » ( 58 - 59 : الواقعة ) . هذا ، عن النطفة ، وعن آيات القدرة القادرة ، وآثارها فيها . . « أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ؟ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ » ( 63 - 67 : الواقعة ) . .