عبد الكريم الخطيب

410

التفسير القرآنى للقرآن

يحجب الأبصار ، فإن مع الأبصار التي حجبها الليل أسماعا ، لا يعطّل وظيفتها ظلام الليل ، بل سكونه يزيد من قدرتها على التقاط الأصوات ، والإمساك بها . . ولعلّ هذا هو ما نلمحه في قوله تعالى للوط عليه السلام : « فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ » * ( 81 : هود ) وقوله تعالى لموسى عليه السلام : « فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ » ( 23 : الدخان ) . . فقد جاء الأمر إلى النّبيّين الكريمين بالسّرى ليلا ، ليكون اللّيل ستارا لهذا السير ، إلى جانب ما يكون من حذر وحيطة واحتراس ، في إخفاء كل حركة ، وكل صوت ، ينبئ عن هذا السير ، أو السّرى . . ! ومن هنا سمّى النّبع الجاري في سلاسة ، ورفق - سمّى « سريّا » كما يقول سبحانه وتعالى لمريم : « فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا » ( 24 : مريم ) . وقد توسعنا في شرح كلمة « أسرى » وفي قيدها بظرف الليل ، لندرك السرّ في قوله تعالى : « سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا » وأن قيد السّرى هنا بالليل ، وجعله وعاء حاويا له ، لم يكن توكيدا للخبر بأن الإسراء كان بالليل ، كما يقول بذلك المفسّرون ، فهذا الظرف - في رأيهم على هذا القول - ليس له أثر في معنى لفظ « الإسراء » . . إذ الإسراء أو السّرى - عندهم - لا يكون إلا ليلا . . فكلمة « ليلا » عندهم لمجرد التوكيد ، بالتكرار ! ! وقد رأيت أن معنى الإسراء ، أو السّرى ، هو الخفاء ، وأنه مشتق من السّرّ ، وأنه وإن غلب السّرى على اللّيل ، فإن ذلك لا يمنع من أن يكون بالنّهار إذا وقع الأمر في ستر من الخفاء ، غير هذا الستر الطبيعي الذي يتّخذ من الليل . .