عبد الكريم الخطيب
26
التفسير القرآنى للقرآن
السقاية دورتها وتعود إلى العزيز مرة أخرى « ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ » . . فهو الذي جعلها في وعاء أخيه ، ثم هو الذي استخرجها من وعاء أخيه . قوله تعالى : « كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ » . الكيد التدبير المحكم ، وفي نسبة الكيد والتدبير إلى اللّه سبحانه وتعالى إشارة إلى ألطافه بيوسف ، ورعايته وتولّيه له ، وأنه سبحانه هو الذي يدبّر هذا التدبير المحكم ، وأنه بمثل هذا التدبير الذي دبّره له ، بلغ ما بلغ من منازل العزة والسيادة . . وتسمية تدبير اللّه كيدا ، تقريب لمفهومه المتعارف بين الناس ، وذلك أنه إذا كان التدبير محكما ، تتشعب مسالكه ، وتتباعد أسبابه - ثم تلتقى جميعها آخر الأمر ، فتقع على الهدف المراد - كان هذا التدبير كيدا ، وإلى هذا يشير قوله تعالى : « إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً » ( 15 - 16 : الطارق ) . قوله تعالى : « ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » أي أنه ما كان يقع في تقديره أبدا أن يدخل أخاه في سلطان الملك ، فيصبح رجلا من رجال دولته . . ولكن بمشيئة اللّه وتقديره ، كان هذا الذي لم يكن متصوّرا ، ووقع ذلك الذي لم يكن متوقعا . قوله تعالى : « نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ » أي بيدنا الملك ، فنهب ما نشاء لعبادنا المخلصين من برّ وإحسان ، ومن علم ومعرفة ! . قوله تعالى : « وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ » إشارة إلى أن ما بلغه يوسف من علم ، هو علم قليل ، لا يوازن ذرة من علمنا . . وأن هذا العلم الذي معه ، والذي بلغ به هذه المكانة في الناس - هذا العلم فوقه درجات كثيرة من العلم . . وفوق هذه الدرجات درجات . . وهكذا حتى تصبّ جميعها في محيط العلم الإلهى الذي لا حدود له . .