عبد الكريم الخطيب
19
التفسير القرآنى للقرآن
أن جعل اللّه وكيلا وشهيدا على ما كان بينه وبينهم . . « وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ » . وحين تحركت القافلة للسير إلى مصر ، بأبناء يعقوب ، ومعهم أخوهم المطلوب لعزيز مصر ، نصح لهم أبوهم فيما نصح بقوله : يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ » ! والسؤال هنا : ما حكمة هذا النصح الذي نصح لهم به ؟ وما ذا يكون لو دخلوا مصر من باب واحد ؟ . . لعل أظهر ما في هذه النصيحة من حكمة هي ألا يلفتوا الأنظار إليهم ، بهذا الموكب الذي ينتظم أحد عشر أخا . . في سمت واحد ، من الجمال والجلال . . فذلك من شأنه أن يدير الرؤوس إليهم ، وأن تدور الأحاديث عنهم ، وتختلف الآراء فيهم ، وليس ببعيد أن يكاد لهم من أكثر من جهة : من النساء والرجال ، أو من تجار مثلهم ، أو من حاشية العزيز نفسه ، وقد رأت الحاشية ما كان من العزيز من تلطفه بهم ، ومن كيله لهم دون أن يأخذ منهم شيئا . . فما أكثر دوافع الحسد والغيرة في قلوب الناس ، وما أكثر ما في قلوب الناس من حسد وغيرة حول السلطان وحاشية السلطان ! وأيا كان الأمر ، فإنه شعور الأب الذي يتخوف على أبنائه نسمات الريح حين تهب عليهم ، فكيف وهم على سفر طويل ، وفي يد غربة موحشة قاسية ؟ ثم كيف وقد كانت فجيعته في يوسف لا تزال تفرى كبده ! ؟