عبد الكريم الخطيب

889

التفسير القرآنى للقرآن

قوله تعالى : « أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ » . . في الآية وعد كريم من اللّه سبحانه وتعالى بأنه يقبل التوبة عن عباده . فيلقى التائب منهم بالقبول والمغفرة ، ويتقبل ما يقدّم من صدقة . . وهذا ينقض ما قيل في سبب نزول الآية : « خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً » . كما أشرنا إلى ذلك من قبل . . فإن من قبل اللّه توبته ، لم يردّ صدقته . . والاستفهام هنا تقريرى ، وضمير الفصل هو توكيد لاختصاص اللّه سبحانه وتعالى وحده بقبول التوبة ، ومنح العفو والغفران . . وليس ذلك لغير اللّه . . - وفي قوله تعالى « يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ » ما يسأل عنه ، وهو : لم عدّى الفعل « يقبل » بحرف الجرّ « عن » مع أن الاستعمال اللغوي لهذا الفعل لم يجئ متعديا إلّا بحرف الجرّ « من » . . كما جاء ذلك في الاستعمال القرآني لهذا الفعل في قوله تعالى : « وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » وفي قوله سبحانه : « إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . . فلم عدّى الفعل هنا بحرف الجر « عن » ؟ الجواب - واللّه أعلم - أن التوبة التي يقبلها اللّه من عباده تضع عنهم ما حمّلوا به من أوزار ، وما أثقل كاهلهم من ذنوب ، فكان في قبول التوبة منهم رفع لهذه الآثام عنهم ، ولهذا ضمن الفعل « يقبل » معنى الفعل يضع ، أو يسقط . . ونحو هذا ، كما نظر إلى التوبة على أنها شئ محمّل بالذنوب والآثام لأن التوبة لا تكون إلا عن ذنب وقع ، أو إثم اقترف . . فكان قوله تعالى :