عبد الكريم الخطيب
876
التفسير القرآنى للقرآن
والبادية ، وما فيها من جفاف ، وجدب وقسوة ، قد طبعت الكائنات فيها - وبخاصة الإنسان - بطابعها الجاف الجديب القاسي . . وفي المثل : « من بدا جفا » . ومن هنا كانت الطبيعة الحادّة في نفس البدوىّ ، ذاهبة به مذهب الغلوّ والتطرف . . فالمنافقون من أهل البادية على نفاق أشد وأسوأ من نفاق سكان الحضر . . وكذلك كفرهم . . هو كفر غليظ كثيف مغلق ، لا تطلع عليه ضوءة من الحق أبدا ، وإنهم لبعدهم عن مواقع الهدى من رسول اللّه ، ومن المؤمنين ، قد فاتهم خير كثير ، إذ لم يعلموا ما بين يدي اللّه ؛ من دين اللّه ، ومن شريعة اللّه . . ومن علم منهم شيئا من هذا ، لم يعلمه علم تحقق ويقين . . وفي قوله تعالى : « وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » دعوة لهؤلاء الأعراب أن ينزعوا لباس البداوة ، وأن يخرجوا من حياتهم تلك ، إلى حياة الحضر ، وأن يقتربوا من مواطن العلم والمعرفة ، حيث يلقون رسول اللّه ، ويأخذون عنه ، ويخالطون المؤمنين ، ويحذون حذوهم . . فاللّه سبحانه « عليم حكيم » ولا يعرف الطريق إلى اللّه ، ويحسن التعامل معه ، إلا أهل العلم والحكمة . . فالإسلام إذ يشنع على البداوة ، وإذ يصم أهلها بالنفاق الكريه ، والكفر الغليظ ، والجهل الفاضح - الإسلام بهذا يدعو إلى العمران ، ويحرض على المدنية ، ويبغض إلى الناس العزلة والوحشة وقبول الحياة ، كما هي ، من غير معالجة لأشيائها ، ووضع بصمة الإنسان العالم الحكيم عليها . . قوله تعالى : « وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ