الغزالي
49
إحياء علوم الدين
وفيه غلام أسود يعمل فيه . إذ أتى الغلام بقوته ، فدخل الحائط كلب ، ودنا من الغلام ، فرمى إليه الغلام بقرص فأكله ، ثم رمى إليه الثاني والثالث فأكله ، وعبد الله ينظر إليه . فقال يا غلام ، كم قوتك كل يوم ؟ قال ما رأيت . قال فلم آثرت به هذا الكلب ؟ قال ما هي بأرض كلاب ، إنه جاء من مسافة بعيدة جائعا ، فكرهت أن أشبع وهو جائع . قال فما أنت صانع اليوم ؟ قال أطوى يومي هذا . فقال عبد الله بن جعفر ، ألام على السخاء ؟ إن هذا الغلام لأسخى منى . فاشترى الحائط والغلام وما فيه من الآلات ، فأعتق الغلام ، ووهبه منه . وقال عمر رضي الله عنه ، أهدى إلى رجل من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلم رأس شاة ، فقال إن أخي كان أحوج منى إليه ، فبعث به إليه . فلم يزل كل واحد يبعث به إلى آخر ، حتى تداوله سبعة أبيات ، ورجع إلى الأول . وبات علي كرم الله وجهه على فراش رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، [ 1 ] فأوحى الله تعالى إلى جبريل وميكائيل عليهما السلام ، إني آخيت بينكما ، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر . فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ فاختارا كلاهما الحياة ، وأحباها ، فأوحى الله عز وجل إليهما ، أفلا كنتما مثل على ابن أبي طالب ، آخيت بينه وبين نبي محمد صلَّى الله عليه وسلم ، فبات على فراشه يفديه بنفسه ، ويؤثره بالحياة ؟ اهبطا إلى الأرض ، فاحفظاه من عدوه . فكان جبريل عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه . وجبريل عليه السّلام يقول ، بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب . والله تعالى يباهي بك الملائكة ، فأنزل الله تعالى * ( ومن النَّاسِ من يَشْرِي نَفْسَه ابْتِغاءَ مَرْضاتِ الله والله رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ) * « 1 » . وعن أبي الحسن الأنطاكي أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون نفسا ، وكانوا في قرية بقرب الري ، ولهم أرغفة معدودة لم تشبع جميعهم . فكسروا الرغفان
--> « 1 » البقرة : 207