الغزالي
4
إحياء علوم الدين
الجزء العاشر [ تتمة ربع المهلكات ] كتاب ذم البخل وذم حب المال وهو الكتاب السابع من ربع المهلكات من كتب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله مستوجب الحمد برزقه المبسوط ، وكاشف الضر بعد القنوط ، الذي خلق الخلق ووسع الرزق ، وأفاض على العاملين أصناف الأموال ، وابتلاهم فيها بتقلب الأحوال ، ورددهم فيها بين العسر واليسر ، والغنى والفقر ، والطمع واليأس ، والثروة والإفلاس ، والعجز والاستطاعة ، والحرص والقناعة ، والبخل والجود ، والفرح بالموجود ، والأسف على المفقود ، والإيثار والإنفاق ، والتوسع والإملاق ، والتبذير والتقتير ، والرضا بالقليل واستحقار الكثير . كل ذلك ليبلوهم أيهم أحسن عملا ، وينظر أيهم آثر الدنيا على الآخرة بدلا ، وابتغى عن الآخرة عدولا وحولا ، واتخذ الدنيا ذخيرة وخولا والصلاة على محمد الذي نسخ بملته مللا ، وطوى بشريعته أديانا ونحلا ، وعلى آله وأصحابه الذين سلكوا سبيل ربهم ذللا ، وسلم تسليما كثيرا أما بعد . فإن فتن الدنيا كثيرة الشعب والأطراف ، واسعة الأرجاء والأكناف ولكن الأموال أعظم فتنها ، وأطم محنها . وأعظم فتنة فيها أنّه لا غنى لأحد عنها ، ثم إذا وجدت فلا سلامة منها . فإن فقد المال حصل منه الفقر الذي يكاد أن يكون كفرا وإن وجد حصل منه الطغيان الذي لا تكون عاقبة أمره إلا خسرا . وبالجملة فهي لا تخلو من الفوائد والآفات . وفوائدها من المنجيات ، وآفاتها من المهلكات ، وتمييز خيرها عن شرها من المعوصات التي لا يقوى عليها إلا ذوو البصائر في الدين ، من العلماء الراسخين دون المترسمين المغترين . وشرح ذلك مهم على الانفراد ، فإن ما ذكرناه في كتاب ذم الدنيا لم يكن نظرا في المال خاصة ، بل في الدنيا عامة . إذ الدنيا تتناول كل حظ عاجل ، والمال بعض أجزاء الدنيا ، والجاه بعضها ، واتباع شهوة البطن والفرج بعضها ، وتشفي الغيظ بحكم