الغزالي
18
إحياء علوم الدين
العيش ساعات تمر وخطوب أيام تكر افنع بعيشك ترضه واترك هواك تعيش حر فلرب حتف سافه ذهب وياقوت ودر وكان محمد بن واسع ، يبل الخبز اليابس بالماء ويأكله ، ويقول : من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد . وقال سفيان : خير دنياكم ما لم تبتلوا به ، وخير ما ابتليتم به ما خرج من أيديكم وقال ابن مسعود : ما من يوم إلا وملك ينادى يا ابن آدم ، قليل يكفيك ، خير من كثير يطغيك وقال سميط بن عجلان ، إنما بطنك يا ابن آدم شبر في شبر ، فلم يدخلك النار ؟ وقيل لحكيم ما مالك ؟ قال التجمل في الظاهر ، والقصد في الباطن ، واليأس مما في أيدي الناس ويروى أن الله عز وجل قال ، يا ابن آدم ، لو كانت الدنيا كلها لك ، لم يكن لك منها إلا القوت . وإذا أنا أعطيتك منها القوت ، وجعلت حسابها على غيرك ، فأنا إليك محسن وقال ابن مسعود ، إذا طلب أحدكم الحاجة ، فليطلبها طلبا يسيرا ، ولا يأتي الرجل فيقول ، إنك وإنك فيقطع ظهره ، فإنما يأتيه ما قسم له من الرزق أو ما رزق . وكتب بعض بني أمية إلى أبي حازم ، يعزم عليه إلا رفع إليه حوائجه . فكتب إليه قد رفعت حوائجي إلى مولاي ، فما أعطاني منها قبلت ، وما أمسك عنى قنعت وقيل لبعض الحكماء ، أي شيء أسر للعاقل ؟ وأيما شيء أعون على دفع الحزن ؟ فقال أسرها إليه ما قدم من صالح العمل ، وأعونها له على دفع الحزن الرضا بمحتوم القضاء . وقال بعض الحكماء ، وجدت أطول الناس غما الحسود ، وأهنأهم عيشا القنوع ، وأصبرهم على الأذى الحريص إذا طمع . وأخفضهم عيشا أرفضهم للدنيا ، وأعظمهم ندامة العالم المفرط وفي ذلك قيل أرفه ببال فتى أمسى على ثقة إن الذي قسم الأرزاق يرزقه فالعرض منه مصون لا يدنسه والوجه منه جديد ليس يخلقه إن القناعة من يحلل بساحتها لم يلق في دهره شيئا يؤرقه وقد قيل أيضا حتى متى أنا في حل وترحال وطول سعى وإدبار وإقبال ونازج الدار لا أنفكّ مغتربا عن الأحبة لا يدرون ما حالي