الغزالي
9
إحياء علوم الدين
إني وجدت فلا تظنوا غيره أن التورع عند هذا الدرهم فإذا قدرت عليه ثم تركته فاعلم بأن تقاك تقوى المسلم وفي ذلك قيل أيضا لا يغرنك من المرء قميص رقعه أو إزار فوق عظيم الساق منه رفعه أو جبين لاح فيه أثر قد خلعه أره الدرهم تعرف حبه أو ورعه ويروى عن مسلمة بن عبد الملك ، أنه دخل على عمر بن عبد العزيز رحمه الله عند موته فقال يا أمير المؤمنين ، صنعت صنيعا لم يصنعه أحد قبلك . تركت ولدك ليس لهم درهم ولا دينار ، وكان له ثلاثة عشر من الولد ، فقال عمر ، أقعدونى ، فأقعدوه . فقال ، أما قولك لم أدع لهم دينارا ولا درهما ، فإني لم أمنعهم حقا لهم ، ولم أعطهم حقا لغيرهم . وإنما ولدي أحد رجلين ، إما مطيع لله فاللَّه كافية ، والله يتولى الصالحين . وإما عاص لله ، فلا أبالي على ما وقع وروى أن محمد بن كعب القرظي أصاب مالا كثيرا . فقيل له لو ادّخرته لولدك من بعدك قال لا ، ولكي أدخره لنفسي عند ربي ، وأدخر ربي لولدي . ويروى أن رجلا قال لأبي عبد ربه يا أخي ، لا تذهب بشر وتترك أولادك بخير ، فأخرج أبو عبد ربه من ماله مائة ألف درهم . وقال يحيى بن معاذ ، مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون بمثلهما للعيد في ماله عند موته . قيل وما هما ؟ قال يؤخذ منه كله ، ويسأل عنه كله بيان مدح المال والجمع بينه وبين الذم اعلم أن الله تعالى قد سمى المال خيرا في مواضع من كتابه العزيز ، فقال جل وعز * ( إِنْ تَرَكَ خَيْراً ) * « 1 » الآية وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « نعم المال الصّالح
--> « 1 » البقرة : 180