عبد الكريم الخطيب

435

التفسير القرآنى للقرآن

في وجه الحقّ ويتصدّون لدعاة الخير ، وهذا الحكم هو الخذلان للظالمين ، والتنكيل بهم ، حيث لا يردّ عنهم بأس اللّه ما لهم من جاه وسلطان ، وما بين أيديهم من بأس وقوة . « وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ » . فتلك هي سنة اللّه في الأمم الخالية ، قبل بعثة النبي « محمد » خاتم الأنبياء ، عليه وعليهم الصّلاة والسلام . فما كان يبعث نبي إلى قرية من القرى ، أو جماعة من الجماعات إلا كذّبوه ، وبغوا عليه ، وأنكروا مقامه فيهم ، وهمّوا بإخراجه من بينهم ، أو قتله ، إن هو ظلّ على موقفه منهم . . وهنا تجىء الخاتمة ، ويقع بهم ما أنذروا به من قبل إن هم أبوا إلا كفرا ، وإلا عنادا وإصرارا على الكفر ، وما هي إلا عشية أو ضحاها حتى يصبح القوم أثرا بعد عين ، « فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها وَلا يَخافُ عُقْباها » وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : « كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ » ( 5 : غافر ) وقوله تعالى : « لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ » تعليل لهذا العقاب الذي أخذهم اللّه به ، من بأساء وضراء . . . والبأساء ما يقع على الأموال من ضرّ ، والضراء ما يصيب النفوس من بلاء . . . والتضرّع : الخضوع ، والتذلل والاستسلام . والسؤال هنا : كيف يتضرّعون ، وقد أصبحوا في الهالكين ، بهذا الأخذ المستأصل الذي أخذهم اللّه به ؟ والجواب : أن هؤلاء الذين هلكوا ، هم عبرة ومثل لمن بعدهم . . . والتضرّع