عبد الكريم الخطيب

430

التفسير القرآنى للقرآن

الكريم : « ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » ( 125 : النحل ) . وها هم أولاء سادة القوم ، وأصحاب الكلمة فيهم ، والسلطان عليهم ، يتصدّون لشعيب ، ويقفون لدعوته بالمرصاد ، إذ كانت هذه الدعوة تنزلهم من النّاس منزلة الآدميين ، لا الآلهة المتسلطين ، وتغلّ أيديهم عن هذا الكسب الحرام الذي يغتالون به حقوق الضعفاء ، ويمتصون به دماء الفقراء . . . وإنه لو قدّر لشعيب أن يمضى بدعوته إلى غايتها ، لسدّ على هؤلاء السّادة منافذ البغي والعدوان ، ولما بقي لهم في الناس هذا السلطان المبسوط لهم على رقاب العباد . ولا يكتفى هؤلاء السادة أن يعرضوا عن شعيب وعن دعوته ، بل إنهم يجاوزون هذا إلى تهديده ووعيده بأن يخرجوه من بينهم ، هو ومن آمن معه ، إن لم يرجع عمّا هو فيه ، وإن لم يعد إلى حاله الأولى قبل أن يطلع عليهم بتلك الدعوة التي يدعوهم إليها . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : * « قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا » . . إنها لقريتهم ! هكذا يقولونها صريحة في غير مواربة . . « قريتنا » بحالها التي هي عليها ، وبكل ما كان يموج فيها من ظلم وفساد . . أما شعيب والذين آمنوا معه ، فهم شئ غريب ، دخل على هذا الكيان الفاسد ، وهم دواء مرّ يأبى أن يقبله هذا الجسد العليل . . وينكر شعيب على هؤلاء السفهاء من قومه أن يدعوه إلى تلك الدعوة المنكرة . . إنه يدعوهم إلى الحق والخير ، وهم يدعونه إلى الضلال والهلاك ،