عبد الكريم الخطيب

450

التفسير القرآنى للقرآن

ولم يمهل موسى فرعون ، بل طلع عليه فجأة بما ملأ عليه وجوده كله ، هولا ، وفزعا ودهشا ! ! لقد كان فرعون ينتظر من موسى شيئا من الحوار والجدل ، والأخذ والردّ ، فيما سيعرضه عليه من معجزات . . كأن يستحضرها أولا ، ويتخير لها الزمان والمكان ثانيا . . فما كان مع موسى شئ يتوقع أن تخرج منه معجزة ، وإلا فأين أدوات هذه المعجزة ؟ وأين أجهزتها ومعداتها والأيدي التي تعمل فيها ؟ . . ولكن هكذا كان تدبير الحكيم العليم وتقديره ! « فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ » . . هكذا تقع المعجزة ، وتكون المفاجأة ! ! العصا التي يمسكها موسى بيده . . يلقى بها إلى الأرض فإذا هي ثعبان مبين . . يفغر فاه حتى ليكاد يبتلع فرعون ومن حوله ! ويد موسى التي أدخلها في جيبه ( أي في فتحة قميصه على صدره ) يخرجها ، فإذا هي بيضاء من غير سوء ، لم يتغير شئ من خلقها ، إلا أنها ترسل ضوءا مشرقا كضوء الكوكب الدرىّ في فحمة الليل . . لقد ألقى موسى بكل ما معه دفعة واحدة ، حتى يضرب فرعون الضربة القاضية ، التي لا تدع له فرصة يلتقط فيها أنفاسه . . وواحدة من هاتين الضربتين تكفى لكي يستسلم لها كل جبار عنيد . . ولكن فرعون كان أكثر من جبار عنيد . . ! ولا يذكر القرآن هنا ما وقع في نفس فرعون من فزع ، وذعر ، بل يدع ذلك لتصورات الناس ، يأخذ كل إنسان ما يقدر عليه الخيال من الصور المرعبة المفزعة ، لهذا الهول الذي وقع . . وإذ يفيق القوم من هذا الهول العظيم ، بعد أن يدعو موسى الثعبان إليه