عبد الكريم الخطيب

7

التفسير القرآنى للقرآن

وأىّ نصراني يستمع إلى قولة المسيح : « أحبّوا أعداءكم ، باركوا لاعنيكم ، أحسنوا إلى مبغضيكم ، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم » - أي نصراني يستمع إلى تلك القولة الكريمة ، ثم لا يمسّ قلبه شعاعة من نورها الألق ، أو قبسة من نفحاتها المباركة ؟ ولكن اليهود أدخلوا على المسيحية ما غيّر وجهها ، وأفسد طبيعتها . . وحسبنا أن نذكر هنا « بولس الرسول » وما كان له - هو اليهودي - من شأن في هذا المقام ! وقوله سبحانه : « ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً » إشارة إلى أن علماء النصارى ، وأصحاب الرئاسة والتوجيه الديني فيهم ، هم جماعة يمثلون الوجه المشرق للمسيحية ، في وداعتهم ، ولطفهم ، وحبهم للإنسانية . . على حين يقابل هذا : الربانيون والأحبار ، الذين هم قادة اليهود وأصحاب الرئاسة الدينية عندهم ، والذين هم العقل المفكر واليد العاملة للمجتمع اليهودي ، وما يرمى به الناس من شر وبلاء بأيديهم ! . . فالقسيسون والرهبان . . رأس سليم ، معافى من الأمراض الخبيثة . . يقوم على جسد المسيحية ، ويعمل على حمايته من الآفات ، التي يرمى بها اليهود في كيانه . . والربانيون والأحبار . . رأس فاسد ، تدور فيه عواصف الشر والبغي . . يقوم على جسد اليهود ، فيغذى بذور الشر والبغي الكامنة فيه ! وشتان بين رأس ورأس ، وجسد وجسد ! وقوله تعالى : « وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ » إشارة أخرى إلى ما بين رؤساء المسيحيين ورؤساء اليهود ، وبين المسيحيين وبين اليهود ، من تفاوت بعيد ! فهؤلاء - أي النصارى - لا يستكبرون ، ولا يعزلون أنفسهم عن المجتمع الإنسانى ، ولا يرون ما يراه اليهود في أنفسهم من أنهم شعب اللّه المختار . . ولهذا اختلط المسيحيون بالعالم كله ، ودعوا الناس جميعا إلى ما معهم من دين اللّه . .