عبد الكريم الخطيب
314
التفسير القرآنى للقرآن
وإنما كان ذلك الذكر لاستحضار أتباعهما من اليهود والنصارى ، وتذكيرهم بما حمل إليهم موسى وعيسى من الهدى والرحمة ، وما كان من أتباعهما من خلاف وشقاق ، ذهب بهم في الفرقة والعداوة كل مذهب . وهذا الخلاف بين أتباع موسى وعيسى - فيما بين كل فريق منهم ، ثم فيما بين الفريقين ، ثم فيما بينهم وبين المسلمين - هذا الخلاف هو مما تقتضيه طبيعة الحياة ، وهو بعض مما أشار إليه سبحانه وتعالى في قوله في الآية السابقة : « وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ » . . فهناك حقّ وباطل ، وهناك محقّون ومبطلون ، وإنه لا بد أن يصطدم هؤلاء وهؤلاء ، ويقتتل هؤلاء وهؤلاء ، ولولا ذلك لتسلط الشر على الخير ، وغلب الباطل على الحق ، وكان في ذلك فساد كل شئ ، وضياع كل شئ . وفي قوله تعالى : « وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ » إشارة إلى أن هذا الخلاف الذي وقع بين أتباع الأنبياء ، وأوقع القتال بينهم ، إنما هو بتقدير اللّه وحكمته ، ليكون في ذلك ابتلاء واختبار ، وليميز اللّه به الخبيث من الطيب . . فالضمير في « مِنْ بَعْدِهِمْ » يرجع إلى أتباع الأنبياء الذين اختلفوا بعد أنبيائهم ، الذين هم جميعا على دين واحد ، هو دين اللّه ، وهو الإسلام . قوله تعالى : « وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ » أي وقع الاختلاف بين أتباع الرسل ، فكان منهم المؤمنون وكان منهم الكافرون ، وكان من ذلك أن اقتتل المؤمنون والكافرون . . « وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا » أي ولو شاء اللّه ما اقتتلوا مع وجود هذا الخلاف بينهم . . « وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ » أي فوقع القتال بينهم لما أراد اللّه من حكمة يعلمها ، ولما قضى به من خير وراء هذا الذي يحسبه الناس شرا . ولكن أكثر الناس لا يعلمون .