عبد الكريم الخطيب
329
التفسير القرآنى للقرآن
عميقا ، في مكان منعزل عن الناس والحياة ، وليكن كهفا ، وذلك على نحو ما حدث لأصحاب الكهف ، ولكلبهم ، الذي صحبهم في نومهم الطويل . وفي قوله تعالى : « فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ » مشابه كثيرة من قوله سبحانه في أصحاب الكهف : « فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً » ( 11 : 12 الكهف ) وثالثا : ما ذا أفادت هذه التجربة في واقع الحياة ؟ ولم كانت مائة عام ولم تكن عاما ، أو بعض عام . . فإن امتداد الزمن وقصره سواء ، بعد أن يجاوز المدى الذي يمكن أن يحتمله الإنسان في الحياة بلا طعام أو شراب ؟ . والجواب عن الشق الأول من السؤال ، هو أن التجربة قد رفعت عن هذا الرجل المؤمن باللّه غشاوة كانت تظلل إيمانه ، وتزعج طمأنينة قلبه ، وفي هذا رحمة من رحمة اللّه بعبد من عباده ، إذ استنقذه من الضلال ، وأدخله في عباده الصالحين . . وليس هذا بالشيء القليل من معطيات هذه التجربة ، كما أن هذه التجربة ليست بالشيء الكثير على قدرة اللّه - إنها لا تعدو أن تكون استيلادا لمولود جديد من مواليد الحياة ! فإذا نظرنا إليها من هذه الزاوية هانت وصغرت بالنسبة لبابها الذي جاءت منه ، وإذا نظرنا إليها من جهة دلالتها كانت شيئا رائعا عظيما مثيرا ، للدلالة على قدرة اللّه وحكمته ، وسعة رحمته ! والجواب عن الشق الآخر من السؤال هو أن امتداد رحلة النوم أو الموت إلى مائة عام ، إنما هو إخبار عن الحدث الذي وقع ، ولو كانت هذه الرحلة عاما أو بعض عام أو عشرة أعوام أو ألف عام ، لكان هذا السؤال واردا على أي زمن منها ! وإذن فلا محلّ لهذا السؤال عن المائة عام ! ولنؤمن بما أخبر اللّه به عنها ، وأنها مائة عام . . ولنترك حكمة هذا الزمن الطويل للّه وحده . .