عبد الكريم الخطيب

99

التفسير القرآنى للقرآن

وأن يعلموا أن الأسباب الظاهرة التي يتخذونها طريقا إلى المسببات ، ليست هي العاملة في النتائج التي يحصلون عليها ، فقد يقدّر المرء أسبابا يراها منتجة لثمرة بعينها ، فيقع الأمر على خلاف ما قدر . . فالتلازم بين الأسباب والمسببات مرهون بإرادة اللّه ، وبقدرة اللّه . والملاحظ في هذه القصة - قصة البقرة - أن النظم القرآني لها ، قد قلب أحداثها ، فقدّم ما حقه التأخير ، وأخر ما من شأنه أن يقدم . . إذ أمر القوم بذبح البقرة بعد أن وقع حادث القتل ، وبعد أن تراموا بالتهم فيه ، ولكن - وكما يبدو من سياق النظم - أمروا بذبح البقرة أمرا يبدو كأنه لا لغاية يقصد لها ، ثم أخذوا في اللجاج والتخبط إلى أن عثروا على البقرة التي استكثروا من أوصافها ، وذبحوها . . وهنا ، ولأول مرة - تتضح الصلة بين ذبح البقرة وهذا القتيل الذي يؤمرون بضربه ببعضها ! وهذا لون من ألوان النكال بالقوم ، عقابا لعنادهم وكفرهم بآيات اللّه ، إذ يرمون بهذا التيه ، حتى وهم في آية من آيات اللّه ، لأنهم سيمكرون بها كما مكروا بغيرها مما سبقها ، أو مما سيلحق بها ، وهذا ما أخبر اللّه سبحانه وتعالى عنه ، بعد تلك القصة مباشرة : « ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ، فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً » إنها قلوب لا تلتقى مع الخير أبدا ، ولا تنتفع به إذا هو طاف بها وطرق بابها ! ! الآيات : ( 75 - 77 ) [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 75 إلى 77 ] أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 ) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 76 ) أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 77 )