عبد الكريم الخطيب

96

التفسير القرآنى للقرآن

التفسير : وهذا موقف آخر من مواقف العنت والعناد ، من هؤلاء القوم مع اللّه ، ومع آيات اللّه ، حيث لا تزيدهم الآيات إلا كفرا ، ولا يزيدهم النور إلا عمى . لقد قتل في القوم قتيل فادّارءوا فيه : أي اختلفوا في التعرف على قاتله ، إذ رمى بعضهم بعضا به ، ودفع بعضهم بعضا إلى موقف الاتهام فيه . ولجأ القوم إلى موسى يسألونه آية تنطق القتيل باسم قاتله ، وهم يريدون بهذا أولا وقبل كل شئ ، امتحانا لموسى ، واستيقانا من دعواه أنه رسول اللّه ، وكليم اللّه ! . وتجىء آية اللّه من وراء ما يقدّر القوم ، فتدور لها رؤوسهم ، وتضطرب لها عقولهم . يقول لهم موسى ما أمره اللّه به : « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً » ! ويذهل القوم ويدهشون ! ما للقتيل والتعرف على قاتله وهذه البقرة التي يؤمرون بذبحها ؟ المسافة كما تبدو في ظاهر الأمر . . بعيدة جدا ، بين السؤال وجوابه ، وبين المطلوب والأسباب الموصلة إليه ! ثم إنهم طلبوا آية ، فهل في أن تذبح بقرة من البقر آية ؟ . ويرى القوم كأن موسى يعبث بهم ، فيقولون له : « أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً » ؟ فيجيبهم : « أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ » - إن العبث لا يكون إلا عن جهل ، ولا يقع إلا من جهّال ، وهو نبي معصوم ، توجهه السماء ، فلا يضل ولا يهزل ! ! ولا يجد القوم في هذا مقنعا ، ويذهب بهم جهلهم وحمقهم إلى أن البقرة المطلوبة ليست مجرد بقرة ، وإنما هي على أوصاف نادرة لا تتحقق إلا فيها ، حتى يمكن أن تتخلّق منها الآية التي طلبوها . . هكذا فكروا وقدّروا .