عبد الكريم الخطيب

86

التفسير القرآنى للقرآن

وكذلك صعق القوم الّذين كانوا معه ، وكانت عدتهم سبعين ، وقع عليهم الاختيار ، ليكونوا شهودا عند القوم بأنهم رأوا اللّه جهرة ! وفي هذا يقول اللّه تعالى : « وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا ، فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ » ( 155 : الأعراف ) وقد كاد يكون إجماع المفسرين على أن البعث في قوله تعالى : « ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » - هو إحياؤهم بعد أن أخذتهم الصاعقة ، وأن كلمتي البعث والموت هنا مجازيتان في مقابل اليقظة والنوم ، كما في قوله تعالى « اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها ، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى » ( 42 : الزمر ) والأولى - عندي - أن يحمل المعنى على ظاهر اللفظ ، فيكون الموت موتا حقيقيا ، والبعث بعثا حقيقيا أيضا ، أي بعث الآخرة ! ويشهد لهذا الوجه ، العطف بثم ، في هذه الآية « ثم بعثناكم من بعد موتكم » كما يقوّيه أيضا ما جاء لسان موسى في قوله تعالى مخاطبا ربّه : « لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ » ! فلو أنهم عادوا إلى الحياة مرة أخرى ، لما كان لموسى أن يسأل ربه ما سأل . وأحسب أن الذي حمل المفسّرين على القول بإحياء القوم بعد أن أخذتهم الرجفة ، حتى أعيدوا إلى الحياة الدنيا مرة أخرى - هو قوله تعالى في خاتمة الآية : « لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » كأنّ استحقاق الشكر لا يكون إلا عن البعث الدنيوي ، وكأن البعث الأخروى ليس بالنعمة المستأهلة للحمد