عبد الكريم الخطيب

84

التفسير القرآنى للقرآن

في هذه الآيات الكريمات تفصيل لتلك النعم ، التي أنعم اللّه بها على بني إسرائيل ، والتي جاء إجمالها في قوله تعالى : « يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ، وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ » . ومع تتابع هذه النعم السابغة ، وتوالى هذه الآلاء الكريمة ، فإن القوم لم يلقوا هذا الإحسان إلا بالكفران ، واللجاج في العناد ، والمحادّة للّه ورسوله . ينجيهم اللّه من فرعون ، وما رهقهم به من محن ، وما رماهم به من بلاء ، حيث كان يذبّح أبناءهم ، ويستحيى نساءهم بما يدخل عليهم من جنده من استخفاف بحرماتهن ، وهتك لأستارهن ، مما يجرح حياء المرأة ، ويغرق وجه الحرة بماء الخجل ! ويكرم اللّه نبيهم موسى ، فينزله في رحاب ضيافته أربعين ليلة ، يناجيه فيها ، ويوحى إليه بآياته وكلماته . . . « وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » والكتاب هو التوراة ، والفرقان من عطف الصفات ، فهو كتاب وهو فرقان ، يفرق بين الحق والباطل ، والهدى والضلال ، وما للّه وما لخلق اللّه ! ولكن تأبى طباعهم النكدة أن تعلو إلى مشارف هذا النور ، بل هي رابضة على التراب ، ترعى مع البهائم ، وتهيم في أودية الضلال . . فيتخذون من العجل إلها معبودا من دون اللّه ! ويتلقّى هؤلاء المناكيد العقاب الطبيعي من اللّه ، فيأمرهم أن يقتلوا أنفسهم ، فتلك نفوس لا حرمة لها ، بعد أن نزلت إلى هذا المستوي الحيواني ، بل ونزلت عن هذا المستوي ، فوضعت جباهها تحت أقدام الحيوان ، تعفّر جبينها بالتراب ؛ عابدة ساجدة له . ويتسلط القوم بعضهم على بعض ، ويضرب بعضهم رؤوس بعض ، كما تتناطح الوعول ، أو كما تتناهش العقارب والحيات !