عبد الكريم الخطيب

7

التفسير القرآنى للقرآن

وانظر كيف رفع اللّه قدر هذه الأمة ، وأعلى شأنها ، وكيف جعل غذاءها السماوىّ الذي أنزله عليها غذاء يتصل بالروح ، ولم يجعله فيما يقدم إلى البطن والمعدة ، وفي ذلك ما فيه من كرامة وتكريم لهذه الأمة ، التي تتلو القرآن وتدين بالإسلام ، وتتعبد بقول الحق جل وعلا في شأنها : « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ » ( 111 : آل عمران ) . فمن شأن القرآن أن يقيم المتصلين به على طريق الحق ، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويؤمنون باللّه ! إن الذي يستقيم على دعوة القرآن ، لهو إنسان سليم في كيانه ، معافى في نفسه ، ثم هو مع ذلك قادر على أن يحمل الهدى إلى غيره ، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويكون خليفة اللّه في الأرض ، وخليفة الرسول في الدعوة إلى اللّه ، وهداية الناس إليه . ولكن صحبة المسلمين للقرآن لم تكن قائمة على العدل والإحسان في جميع الأحوال . . فكثيرا ما أساء المسلمون تلك الصحبة ، وأوسعوها جفاء وعقوقا ، حيث يعيش القرآن فيهم غريبا . . لا يقفون عنده ، ولا يلتفتون إليه ، ولا يتدبرون آياته ، ولا يتلقون بعض ما فيه من خير وهدى ! والجفوة التي بين المسلمين وبين القرآن الكريم جفوة غليظة مستحكمة ، قد تداعت عليها دواع كثيرة ، أحكمت بنيانها ، وثبتت دعائمها ، فلم يعد بين المسلمين وبين القرآن طريق يصلهم به إلا تلك الطرق الدارسة الطامسة ، التي تتصاعد منها أتربة وأدخنة ، تعمّى على الناظر منهم في كتاب اللّه ، وجوه الحق والخير التي فيه .