عبد الكريم الخطيب

311

التفسير القرآنى للقرآن

التفسير : تلك عاقبة الصابرين في مواقع الحق ، المجاهدين في سبيل اللّه ، على بصيرة وهدى ، لا يخطئهم النصر أبدا . وواضح من الآية الكريمة أن داود عليه السلام كان في هذه الحرب جنديا من جنود طالوت ، وأنه ببسالته وشجاعته قد تولى قتل قائد العدو جالوت ، وبفعله هذا كان النصر والغلب . . ثم كان من فضل اللّه على داود بعد هذا أن أتاه اللّه الملك والحكمة ، وعلمه مما يشاء من علمه ، فألان له الحديد ، وعلمه صنعة الدروع للحرب ، وجعل لصوته من حسن النغم ما جعل الحياة كلها من حوله تنسجم معه ، وتستجيب له ، وإذا هي معه صوت واحد ، يسبح بحمد اللّه رب العالمين ! ! وقوله تعالى : « وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ » . يبيّن أن هذا التدافع بين الناس . . بين الخير والشر . . بين الحق والباطل . . بين الأقوياء والضعفاء . . بين الأغنياء والفقراء . . بين الأفراد والأفراد . . وبين الجماعات والجماعات . . وبين الأمم والأمم - هذا التدافع في كل موقع من مواقع الحياة ، وفي كل متجه فيها ، وعلى كل مورد مواردها - هو الذي يحرك دولاب العمل على هذه الأرض ، ويبعث الحياة في كل جانب منها . . ولو كان النّاس متجها واحدا ، ومذهبا واحدا ، وشعورا واحدا ، وتفكيرا واحدا ، ومنزعا واحدا - لكانوا شيئا واحدا . . كانوا كتلة باردة متضخمة ، أشبه بجبل من الجليد ، لا تطلع عليه الشمس أبدا ! ! فسبحان من خالف بين النّاس فجعل من هذا التخالف مادة الحياة والبناء والعمران ، ولولا ذلك لفسدت الأرض وضاع الناس : « وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ » .