عبد الكريم الخطيب
309
التفسير القرآنى للقرآن
التفسير : أما والقوم قد أبوا أن يصدّقوا إلا أن يروا بأعينهم ، فقد ابتلاهم اللّه ، ووضعهم أمام تجربة حسيّة يدعوهم إليها « طالوت » الذي جاءهم بالآيات ليحملهم على التصديق به . . وليس لهم بعد ذلك أن يخرجوا عن طاعته ، بعد أن استيقنوا أن اللّه قد اصطفاه عليهم . . وها هو ذا يدعوهم إلى محنة قاسية ، لم يكن لهم أن يتحللوا منها بحال أبدا . . إنها من طالوت ، وإن طالوت من اللّه ، وشاهده في يده ! ! « قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ » . هذه هي التجربة ، وهذا هو الابتلاء . ! فالقوم عطشى والماء بين أيديهم ، وكلمة اللّه إليهم : « ألّا يشربوا من هذا الماء وألا يرووا ظمأهم » . وفي هذا : أولا : امتحان لإيمانهم ، واستجابتهم لما يدعون إليه ، وهم في وجه تجربة أقسى وأمر ، هي لقاء العدوّ الذي عرفوه وعرفوا بأسه وجبروته وبطشه بهم ، وبآبائهم من قبل ! وثانيا : أن ذلك رياضة لهم وتدريب على احتمال مكاره الحرب وأهوالها ، وربما كان الظمأ أهون شئ فيها . هذا بعض ما تنطوى عليه التجربة في كيانها ، ولكن القوم لا يرون إلا ما يطفو على ظاهرها ، وأنها ليست إلا تحكما من طالوت ، لا يمليه عليه إلا حبّ التسلط والاستبداد ، وهذا ما يضاعف من كمدهم وحقدهم . . ليجعل اللّه ذلك حسرة في قلوبهم . . إنهم يحومون حول الماء ولا يردونه ، وتحترق أكبادهم ظمأ ويحرم عليهم أن يشربوا منه . . « كَذلِكَ الْعَذابُ ، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ » ( 16 : فصلت ) .