عبد الكريم الخطيب

30

التفسير القرآنى للقرآن

وهذه الصورة الحسية التي صورت بها حال أولئك الكافرين ، إنما هي تجسيم لطبائعهم النكدة ، وعقولهم المظلمة ! وإلا فإن آذانهم مرهفة ، وأبصارهم حديدة ، ولكنهم لا يحصّلون بها خيرا ، ولا يهتدون بها إلى سبيل الرشاد والهدى . ويثار هنا قول ، هو : ما لهؤلاء الكافرين إذ لم يهتدوا إلى الإيمان ؛ وقد عطل اللّه مداخل الإيمان إلى كيانهم ؟ . وهذه مسألة كثر فيها الرأي ، واختلف عليها العلماء ، حتى صار المسلمون فيها فرقا ، من سنية ، ومعتزلة ، وشيعة ، وخوارج . والرأي في هذا أن يفوض الأمر كله للّه . . فالخلق خلقه ، والناس عبيده ، يقضى فيهم بحكمه كيف اقتضت إرادته . . كما في قوله تعالى : « هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ ، فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ » ( 2 : التغابن ) وكما يروى في الحديث الشريف : « عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - سئل عن معنى قوله تعالى : « وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ » ( 172 : الأعراف ) فقال عمر : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، سئل عنها فقال : « إن اللّه عزّ وجل لمّا خلق آدم مسح على ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته ، فقال : خلقت هؤلاء للجنة ، وبعمل أهل الجنة يعملون ، ثم مسح على ظهره بشماله ، فاستخرج منه ذريته ، فقال : هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون ، فقام رجل فقال : يا رسول اللّه : ففيم العمل ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه عزّ وجل إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل أهل الجنة ، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت وهو على عمل أهل النار فيدخله به النار » . . هكذا قضى اللّه في عباده ، فريق في الجنة ، وفريق في السعير . . ومن حكمة اللّه ولطفه بعباده أنه لم ينكشف