عبد الكريم الخطيب

277

التفسير القرآنى للقرآن

ثم إنه لم يجئ الأمر على سبيل الوجوب والإلزام ، لأن عاطفة الأم في غنى عن أن يعطفها على وليدها أمر ، وإنها لن تتخلّى عن هذا الواجب الطبيعي إلا إذا كانت تحت ظروف أكبر من عاطفتها ، فكان من تدبير الحكيم العليم أن جعل ذلك حقّا لها في الجانب الخبرى من الحكم ، وجعله أمرا متوجها إلى الآباء في الجانب الأمرى منه ! ! وقوله تعالى : « حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ » بيان للمدة اللازمة لفطام الصبىّ ، وليس هذا التحديد على سبيل الوجوب ، بل هو محكوم بتقدير حال الرضيع وحاجته ، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ » . . وفائدة هذا التحديد ليضمن للأم حقّا في مدة الرضاع وهي سنتان ، وقد لا تكون كلها لإرضاع الوليد ، ولكن لمعالجة حاله بعد فطامه ، وأخذه بالحياة المناسبة له بعد الفطام ، وجعلها عادة له ، حتى إذا بعد عن أمّه كان من الممكن تدبير شؤون حياته . قوله تعالى : « وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ » حكم على الآباء بالنفقة الواجبة للأم المرضع ، في مدة إرضاعها ، وهذه النفقة هي مما يكفل للأم الحياة المناسبة من مسكن ومطعم وملبس . . على اختلاف في النوع والقدر ، حسب يسر الوالد وإعساره . وقوله تعالى : « لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها » رفع للحرج عن الآباء في النفقة الواجبة للأم ، فلا يتكلف لها الأب ما لا يطيق ، ولا يحمل منها على ما يكره . . بل يطلب منه ما يقدر عليه ، حسب يسره وإعساره ، وفي هذا يقول اللّه تعالى : « لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً » ( 7 : الطلاق )