عبد الكريم الخطيب
234
التفسير القرآنى للقرآن
ما في أيديهم من هذه الدنيا التي آثروها على كل شئ ، وباعوا لها أنفسهم ، ولبسوا من أجلها أثواب الرياء والنفاق ، ثم هم مع هذا ينظرون إلى الذين آمنوا نظرا ساخرا هازئا ، إذ يرونهم على غير ما هم فيه من حرص على الدنيا ، ومن استجلاب شره لما فيها من لذات وشهوات ، فتلك هي نظرة أصحاب الدنيا إلى أهل الإيمان والتقوى ، وذلك هو الميزان الذي يضعون أنفسهم فيه مع المؤمنين ، فيرون أنهم أرجح ميزانا ، وأعلى مقاما ! . ولكن هذه النظرة ستتغير ، وهذا الميزان سوف يتبدل ، وذلك يوم الحساب الأكبر ، يوم يوضع الميزان الحق بين الناس ، فإذا أهل الدنيا في بلاء وضنك ، وإذا المؤمنون في نعيم مقيم ورضوان دائم . . « فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ » . وقوله تعالى : « وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ » معدول به عن أن يقال : « والذين آمنوا فوقاهم يوم القيامة » الذي كان يقتضيه سياق النظم ، حيث كان الموقف بين الذين كفروا والذين آمنوا . وفي وضع الذين اتقوا مكان الذين آمنوا إشارة إلى أن الإيمان مجردا من العمل الذي يلبس به صاحبه ملابس التقوى - هذا الإيمان لا يؤهل صاحبه لرضوان اللّه ، ولا يرفعه إلى تلك المنزلة الرفيعة ، وهذا المقام المحمود .