عبد الكريم الخطيب
225
التفسير القرآنى للقرآن
الطريق ، بعد التحلل من الإحرام ، واسترداد الجسد ملابس الحلّ ، وعندها يجد الإنسان ذاته التي كان عليها قبل أن يحج ، فكان قوله تعالى هنا تنبيها إلى هذا الخطر الذي يقدم عليه الحاج ، وأنه لن تنقطع صلته باللّه بعد أداء هذه الفريضة ، بل إن هذه الفريضة ستزيد تلك الصلة قوة وعمقا : « فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً » أي ليكن ذكركم اللّه ، والتفاتكم إليه ، ورجاؤكم فيه كذكر الابن أبويه ، والتفاته إليهما ورجائه فيهما ، بل وأكثر من هذا ذكرا والتفاتا ورجاء . . فاللّه سبحانه هو الذي يرعى الولد والوالدين جميعا ! ثم إن الناس في لجئهم إلى اللّه ، وضرعهم إليه ، فريقان : فريق يطلب الدنيا ، ويقيم علاقته مع اللّه على طلب المزيد من أشياء الحياة الدنيا ، دون أن يقيم وزنا للحياة الآخرة ، وما ينبغي أن يعدّه لها من صالح الأعمال ! فهذا فريق شغلته دنياه عن آخرته ، إذ غلبت عليه شهوة المال وزينة الحياة ، فلم تتسع نفسه لشئ غيرهما . . وفريق آخر . هدى إلى الحق ، وإلى طريق مستقيم . . فأخذ من الدنيا بنصيب ، ومن الآخرة بنصيب ، يقول : « رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ، وَقِنا عَذابَ النَّارِ » . وفي قوله تعالى : « أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا » إشارة إلى هؤلاء الذين هدوا إلى الحق ، وأن ما كسبت أيديهم ليس لهم منه إلا هذا الذي كان لحساب الآخرة ، فهو الباقي الذي يجدونه عند اللّه ، وما سواه مما كان للدنيا فهو إلى زوال وإلى عدم ، فإن قوله تعالى : « مِمَّا كَسَبُوا » يدل على أن ما كسبوه للدنيا لا معتبر له ، وأن لهم بعض ما كسبوا ، وهو ما كان للآخرة ، لا كل ما كسبوا مما هو للدنيا وللآخرة ، قال اللّه تعالى : « وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا » ( 46 : الكهف ) .