عبد الكريم الخطيب

216

التفسير القرآنى للقرآن

يقول السيد المسيح لهم : « من ضربك على خدّك الأيمن فأدر له خدّك الأيسر » وفي هذا ما فيه من إذلال لهم ، وقتل لمعاني الإنسانية فيهم ، إن هم استقاموا على هذا الأمر ، فإن خرجوا عليه فهم عصاة خارجون على أمر اللّه ، يستحقون اللعنة وسوء المصير . . وليس هذا مما يكلف اللّه به عباده ، ولكنه من نقمه التي ينزلها على أهل البغي والعدوان . ولهذا أمر اللّه المسلمين بما أمرهم به من هذا الخير ، بترك القتال في الأشهر الحرم ، ثم حرس هذا الخير من أن يستبد به الأشرار ، ويجنى ثمرته المبطلون . . فهي أشهر حرم لا يبدأ فيها المسلمون بقتال ، فإن بدأهم أحد فيها بقتال فلا حرمة عندئذ لهذه الأشهر الحرم ، التي ما شرعت إلا لخير الإنسان وصيانة دمه ، وأما وقد جعلها العدوّ ظرفا يستبيح به دماءهم ، فصيانة دمائهم والدفاع عنها أكثر قداسة وحرمة من كل حرمة وقداسة . . لزمان أو مكان ! هذا ما يقرره قوله تعالى : « الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ » في أي مكان وفي أي زمان « فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » . وفي قوله تعالى : « وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ » تذكير للمسلمين بما وصاهم به الإسلام من آداب القتال ، وهي ألا يعتدوا ، فإن اعتدى عليهم ردّوا الاعتداء . . ولكن لما كان عدوان المعتدى باعثا على النقمة منه ، جاء قوله تعالى : « وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ » ضابطا لمشاعر الانتقام من العدو المعتدى ، مذكرا المسلمين بالتقوى في هذا الموطن ، فلا يأخذون أكثر من حقهم في تأديب العدوّ ، وكسر شوكته ، فإذا تخلّى المسلمون عن التقوى في هذا الموطن تخلّى عنهم عون اللّه ونصره .