عبد الكريم الخطيب

200

التفسير القرآنى للقرآن

التفسير : في آية البر ( 177 ) لم يذكر الصوم فيما ذكر من شعائر البر ، ولكن قد أشير إليه ضمنا في قوله تعالى : « وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ » إذ كان الصوم مما يدخل في دائرة الصبر . . بل هو « الصبر » نفسه . وفي هذه الآية بيان لفريضة الصوم ووقتها وأحكامها ، كما ذكر ، في الآيات التي قبلها من أعمال البر : القصاص في القتلى ، والوصية عند الموت ، وهما أمران يستندان إلى الصبر ، وكما سيذكر بعد ذلك الجهاد في سبيل ، وهو أمر لا يقوم إلا على الصبر . وفي قوله تعالى : « وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ » بيان لمن أبيح لهم الخروج من هذا الحكم العام الذي دخل فيه المسلمون جميعا ، وهو وجوب الصوم . . ويقال : طاق الشيء يطوقه طوقا وطاقة ، وأطاقه إطاقة إذا قوى عليه ، وطوّقه تطويقا ألبسه الطوق ، يقول اللّه تعالى : « سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ » : ( 180 آل عمران ) ومعنى هذا أن الذي يطيق شيئا إنما يعطيه طاقته ، أي كل قوته ، وهذا لا يكون إلا مع الأمر الشاق ، الذي لا يقدر علية إلا بجهد ومشقّة . والذين يطيقونه هم الذين يرهقهم الصوم ، ويبلغ بهم المشقة والجهد ، كالمريض مرضا ملازما ، وكمن دخل مرحلة الشيخوخة ، وكبعض الحوامل اللائي يعانين من حملهن ما يلزمهن نظاما خاصّا في التغذية . . وهكذا كلّ من خرج بناؤه الجسدي عن حد الاعتدال ، فلا يستطيع الصوم ، وإن استطاعه وجد المشقة والحرج ، فلهؤلاء أن يفطروا ، فقد رفع اللّه عنهم الحرج بقوله تعالى : « وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » ( 78 : الحج ) وبقوله سبحانه : « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها » : ( 286 : البقرة ) .