عبد الكريم الخطيب
167
التفسير القرآنى للقرآن
على الوفاء به ، ويصبرون على ما يكرهون منه ، أما ما فوق الوسط فهو أمر لا تحتمله أكثر النفوس ، ولا تصبر عليه . . وقد يرتفع الإنسان إلى أكثر مما يحتمل ، فيختل توازنه ويسقط . . ولا تكون السلامة والعافية إلا حيث الاعتدال ، الذي يجد الإنسان في مجاله القدرة على التحرك إلى فوق ، وإلى تحت ، وهو في تلك الحركة - بحكم الوسط - لا يخرج عن المقام الكريم اللائق به ، حيث يظل - بالوضع الذي هو فيه - مشرفا على الأرض ، مستشرفا للسماء ! وقد يقول بعض القائلين : إن الوسط لا طعم له ، ولا ذاتية لوجوده . . إنه أشبه بالخط الوهمي بين شيئين . . إنه ليس شيئا ، ولا ضد شئ . إن القسمة في الأمور ، هي الشيء وما يقابله . . الخير والشر . . الأبيض والأسود . . الحلو والمر . . الجميل والقبيح . . اليمين والشمال . . أما الوسط الذي يفصل بين هذه المتقابلات فليس إلا خطا وهميا . . ونقول : إننا لا ننكر أن الوسط ليس هو الكمال كله ، وأن فوق الوسط منازل كثيرة للفضل ، وأنه غير محجور على الناس أن يرتفعوا إليها ، وأن يتنافسوا فيها . . بل إن ذلك مندوب محمود . . ولكن هذا شئ ، والتشريع العام شئ آخر . التشريع إلزام لا انفكاك منه . . التشريع عقد بين صاحب الشريعة وأتباع هذه الشريعة . . فهم مطالبون بالوفاء بما شرع لهم ، وهم ملومون مؤاخذون بالعقاب إذا قصروا . . وليس الأمر كذلك فيما كان عن تطوع واختيار . . إذ للإنسان أن يمضيه أو يعفى نفسه منه . . ولا لوم عليه ! والتشريع حين يكون عاما . . لأمة ، أو للإنسانية كلها - تقتضى الحكمة