عبد الكريم الخطيب
149
التفسير القرآنى للقرآن
ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها » ( الآية : 142 ) . . إنهم لم يقولوا بعد شيئا ، ولكنهم سيقولون ، حين يجئ الأمر الذي قدره اللّه وأراده ! وسنرى في الآيات الآتية كيف كان دفاع القرآن ، وكيف كان ردّه وردعه لهؤلاء السفهاء ، المتطاولين على الحق ، المتربصين به وبأهله السوء ! وإنك لترى من هذا كلّه أن آية النسخ كانت مقدمة الدفاع ، في قضية التحوّل بالقبلة إلى المسجد الحرام . . وكأنها تقول للمسلمين ولأهل الكتاب : إن اللّه سبحانه وتعالى إذا نسخ آية من آياته ، أو بدل حكما من أحكامه بحكم آخر ، فذلك بمقتضى حكمته ورحمته بعباده . وقد نسخ اللّه كثيرا من الشرائع التي تقدمت شريعة الإسلام ، وأنساها فلم يعد أحد يذكر عنها شيئا . . فأين رسالة نوح ؟ وأين صحف إبراهيم التي ذكرها القرآن في قوله تعالى : « إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ، صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى » ؟ وأين رسالات الأنبياء : صالح ، وهود ، وشعيب ، ولوط ؟ يقول ابن كثير في تفسيره : « والذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ هو الكفر والعناد ، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام اللّه تعالى . . لأنه يحكم ما يشاء ، كما أنه يفعل ما يريد . . كما أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة ، وشرائعه الماضية ، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه ثم حرّم ذلك ، كما أحلّ لنوح عليه السلام بعد خروجه من السفينة ، جميع الحيوانات ، ثم نسخ حلّ بعضها ، وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه ، وقد حرّم في شريعة التوراة وما بعدها . وأمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده ، ثم نسخه قبل الفعل . . . » « 1 »
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير . الجزء الأول .