عبد الكريم الخطيب

133

التفسير القرآنى للقرآن

التفسير : في هاتين الآيتين تهديد ووعيد ، لأولئك الذين يحولون أن يحتجزوا رحمة اللّه في دائرة مغلقة عليهم دون الناس جميعا ، والذين يتصورون أن ما بأيديهم وحدهم هو الحق الذي يسعهم وليس لغيرهم مكان فيه - هؤلاء يظلمون الحق ، ويظلمون أنفسهم ، ويظلمون الناس . . ذلك أن هذا القصور الخاطئ للحق يقيم في كيانهم عصبية عمياء ، لا يرون معها إلا ذواتهم ، ولا يحسبون لأحد حسابا معهم ، ولا يرعون حرمة دين غير ما يدينون به ، ولو كان هو الحق من عند اللّه . . ولهذا فهم - مع هذا الشعور - لا يجدون حرجا في أن يصدّوا الناس عن عبادة اللّه ، وأن يحولوا بينهم وبين مساجده ، بل وأن يعطلوا هذه المساجد ويخربوها ! ! واليهود يقومون بدور خطير في هذا المجال ، بما يسوقون إلى المؤمنين من فتن ، وما يدخلون به عليهم من تلبيسات وضلالات ، تثير الحيرة ، والبلبلة ، وقد فعل اليهود هذا عندما أمر اللّه النبي والمسلمين أن يتحولوا بقبلتهم إلى المسجد الحرام ، بعد أن كان المسجد الأقصى هو قبلتهم في الصلاة ، فاتخذ اليهود من هذا الحدث مدخلا إلى الفتنة ، يلقون بها بين جماعة المسلمين ، وقد وصف اللّه اليهود بهذا الوصف الكاشف ، فسماهم السفهاء في قوله تعالى : « سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها » ؟ وفي قوله : « أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ » إشارة إلى أن هذا الجرم الذي يرتكبه المنافقون في الكيد لبيوت اللّه ؛ لا يخليهم أبدا من شعور الخوف من افتضاح أمرهم ، وخاصة إذا دخلوا هذه المساجد ليستروا موقفهم منها ، وليرى الناس منهم أنهم من أهلها ، شأن المجرم يحوم حول جريمته ، وقلبه يرجف حوفا وفزعا . وفي قوله تعالى : « وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ » ردّ مفحم على هؤلاء المنافقين الذين يحاولون أن يردوا المسلمين عن قبلتهم الجديدة ،