عبد الكريم الخطيب
126
التفسير القرآنى للقرآن
وقوله تعالى بعد هذا : « الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ » ( 66 : الأنفال ) . وليس بين الآيتين تعارض ، أو تناسخ ، وإن عرضا لأمر واحد ، واختلف منطوق الحكم فيهما . فالآية الأولى تفرض على المؤمنين حكما في فيها حال هم أهل للوفاء بهذا الحكم ، لما فيهم من قوة إيمان وثبات يقين . . فإذا كانوا في تلك الحالة كان واجبا عليهم إذا التقوا في ميدان الحرب بأعدائهم من الكافرين - أن يثبت العشرون منهم لمائتين من أعدائهم ، وأن تثبت المائة للألف . فلما أن وقع الضعف في المسلمين ، حين كثر عددهم ، ودخل فيهم من دخل ، وليس فيهم ما في هؤلاء النفر القليل الكرام ، الذين سبقوا إلى الإسلام ، من كرم المعدن ، وصفاء الجوهر ، والتعرّف على الحق ، والبدار إليه - لمّا أن كان هذا من أمر المسلمين ، خفف اللّه عنهم ، وجعل أمرهم يسرا ، ففرض عليهم ألّا تفرّ المائة من المائتين ، ولا الألف من الألفين . وانظر كيف كانت أعداد المسلمين في الآية الأولى . « عشرون » و « مائة » ثم أصبحت في الآية الثانية هكذا : « مائة » و « ألفا » . . وإن ذلك ليكشف عن المعنى الذي أشرت إليه من قبل ، وهو أن الضعف الذي عرض للمسلمين في هذا الوقت المبكر من الدعوة الإسلامية ، وفي عهد النبوة ، لم يكن من جهة المسلمين السابقين إلى الإسلام ، فهؤلاء كانوا كلما مرّت بهم الأيام في الإسلام ، وفي صحبة الرسول ، ازدادوا إيمانا مع إيمانهم ، ولكن الضعف الذي وقع ، كان على مجموع المسلمين ، حين كثر عدد الداخلين في الإسلام ،