عبد الكريم الخطيب

114

التفسير القرآنى للقرآن

هذا ، وقد تعلق بعض المفسرين بظاهر اللفظ في قوله تعالى : « نَزَّلَهُ » ففهم أن الوحي لم يكن من لفظ مسموع يلقيه جبريل إلى النبىّ الكريم ، وإنما كان إلهاما يجده الرسول في قلبه ، فيتحدث به لسانه ، واستند أصحاب هذا الرأي إلى قوله تعالى للنبي الكريم ، في آية أخرى : « لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ » فقالوا : إن النبىّ كان حين يلقى إليه الوحي على هيئة خواطر في قلبه ، يبادر فيشكّلها كلمات يجريها على لسانه في عجلة ، مخافة أن تفلت منه ، أو تتغير هيئتها ! وهذا الرأي قد فتح للمستشرقين وغيرهم بابا للقول ، بأن القرآن في هيئته اللفظية ، ليس كلام اللّه ، وإنما هو من صياغة « محمد » ، حيث كان يصوغ الخواطر التي يتلقاها من الوحي ، في الصورة اللفظية المناسبة . ولهذا - كما يقولون - جاء القرآن أنماطا مختلفة من الأساليب ، بعضها ممتد النفس ، هادئ ، ليّن ، وبعضها متقطع الأنفاس ، صارخ عنيف . . وذلك حسب حال النبىّ ، وما تثيره الخواطر المتنزلة عليه . . وعلى عكس هذا لو كان القرآن لفظا ومعنى من عند اللّه ، فإنه يكون نمطا واحدا ، لا يتأثر بالعوامل النفسية الإنسانية ، التي يكون عليها النبىّ حين يتصل بالوحي . . وهذا جهل أو تجاهل ، بالحق الواضح ، إذ أن كلام اللّه الذي يخاطب به عباده ، إنما يبلغ آثاره فيهم ، إذا جاء على أنماط كلامهم ، وجرى على أساليب بيانهم ، فلان في مواضع اللّين ، واشتدّ في أحوال الشدة ، وهذا ما عبر عنه علماء البلاغة في وصفهم للكلام البليغ ، بأنه : المطابق لمقتضى الحال . وهذا القول إنما يقوله من المستشرقين من يسلّمون لمحمد بالنبوة والرسالة . أما من لا يؤمنون بالوحي ، ولا يعتقدون في الرسالات السماوية ؛ فيقولون : إن القرآن - لفظا ومعنى - هو من عمل محمد !