عبد الكريم الخطيب

10

التفسير القرآنى للقرآن

التي تلت هذا العصر - أصبح دستور الشريعة الإسلامية ، وترجمان كتابها الكريم . . وكان من هذا أن أصبح تعلّق أكثر العلماء والفقهاء بهذا الفقه أكثر من تعلقهم بكتاب اللّه نفسه . . فهم يرجعون في كل أمر يعرض لهم إلى مقولات المذهب أو المذاهب الفقهية ، في هذا الأمر أو ذاك ، وفي كل داعية من دواعي الحياة ، يراد للدين أن يزنها بميزانه ، ويقيسها بأحكامه ! وطبيعي أنه إذا جاء رأى ديني من محصّل هذا النظر القائم على مقولات المذاهب الفقهية المتضاربة المتخالفة - جاء مذعورا قلقا ، يموج في أخلاط من الآراء المتناقضة ، والأقوال المتخالفة ، لا يكاد المرء يعرف منها وجها من ظهر . من أجل هذا « تميّعت » مسائل الدين ، وغامت في أنظار المسلمين ، فهم إنما يطوفون بها في إجلال وتقديس ، أشبه بإجلال المجهول وتقديسه ، لا يقوم في النفس مقاما ثابتا مطمئنا أبدا ، بل سرعان ما يذهب ذلك الشبح الباهت إذا طلع عليه بصيص من نور ، أو لمعة من سراب ! والقرآن - من غير شك أو جدال - هو مصدر الشريعة الإسلامية ، وهو دستورها القائم أبد الدهر . . وقد استغنى به المسلمون في الصدر الأول للإسلام ، فأغناهم عن كل شئ . . لا يمدون أبصارهم إلى غيره ، ولا يأخذون لدينهم ودنياهم إلا بما توحى به إليهم كلماته ، وتومئ به إليهم آياته ! وطبيعي أن هذا الذي نقوله عن كتاب اللّه ، نقوله كذلك فيما ثبت من سنة رسول اللّه ، القولية والفعلية ، إذ كانت السنة المطهرة تطبيقا شارحا لكتاب اللّه ، وفي هذا يقول اللّه تعالى : « وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » ( 7 : الحشر ) .