محيي الدين الدرويش

166

اعراب القرآن الكريم وبيانه

يكون من المجاز الحكمي ، فالطريق الأول انه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق وجعلوا إنعام اللّه بذلك عليهم وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم وبطرهم وإيثارهم الروح والترفه ونفارهم عما يلزمهم فيه من التكاليف الصعبة والمشاق المتعبة فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم ، واليه أشارت الملائكة صلوات اللّه عليهم في قوله « ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر » والطريق الثاني أن إمهاله الشيطان وتخليته حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين فأسند اليه لأن المجاز الحكمي يصححه بعض الملابسات . وقيل هي أعمال الخير التي وجب عليهم أن يعملوها زينها اللّه لهم فعمهوا عنها وضلوا ، ويعزى إلى الحسن . وقد أجاب أهل السنة بأن هذا الجواب مبني على القاعدة الفاسدة في إيجاب رعاية الصلاح والأصلح وامتناع أن يخلق اللّه تعالى للعبد إلا ما هو مصلحة ، فمن ثم جعل التزيين إلى اللّه تعالى مجازا وإلى الشيطان حقيقة ولو عكس الجواب لفاز بالصواب ، وتأمل ميله إلى التأويل الآخر من أن المراد أعمال البر على بعده لأنه لا يعرض لقاعدته بالنقض ، على أن التزيين قد ورد في الخير في قوله تعالى : « ولكن اللّه حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم » على أن غالب وروده في غير البر كقوله : « زين للناس حب الشهوات » ، « زين للذين كفروا الحياة الدنيا » و « كذلك زين للمسرفين » ومما يبعد حمله على أعمال البر إضافة الأعمال إليهم في قوله : أعمالهم ، وأعمال البر ليست مضافة إليهم لأنهم لم يعملوها قط فظاهر الإضافة يعطي ذلك ، ألا ترى إلى قوله تعالى : « ولما يدخل الايمان في قلوبكم » وقوله : « قل لا تمنوا علي إسلامكم بل اللّه يمن عليكم أن هداكم للايمان » فأطلق الايمان في المكانين عن إضافته إليهم لأنه لم يصدر منهم ، وأضاف الإسلام الظاهر إليهم لأنه صدر منهم .