الغزالي
98
إحياء علوم الدين
فلا يبالي ولو جلس في صف النعال ، فلا يغضب إذا جلس غيره فوقه . وهذه العادات الرديئة هي التي أكثرت محاب الإنسان ومكارهه ، فأكثرت غضبه . وكلما كانت الإرادات والشهوات أكثر ، كان صاحبها أحط رتبة وأنقص . لأن الحاجة صفة نقص . فمهما كثرت كثر النقص . والجاهل أبدا جهده في أن يزيد في حاجاته وفي شهواته ، وهو لا يدرى أنه مستكثر من أسباب الغم والحزن ، حتى ينتهى بعض الجهال بالعادات الرديئه ، ومخالطة قرناء السوء ، إلى أن يغضب لو قيل له إنك لا تحسن اللعب بالطيور ، واللعب بالشطرنج ولا تقدر على شرب الخمر الكثير ، وتناول الطعام الكثير ، وما يجرى مجراه من الرذائل . فالغضب على هذا الجنس ليس بضروري ، لأن حبه ليس بضروري القسم الثالث : ما يكون ضروريا في حق بعض الناس دون البعض . الكتاب مثلا في حق العالم ، لأنه مضطر إليه فيحبه ، فيغضب على من يحرقه ويغرقه . وكذلك أدوات الصناعات في حق المكتسب ، الذي لا يمكنه التوصل إلى القوت إلا بها . فإن ما هو وسيلة إلى الضروري والمحبوب يصير ضروريا ومحبوبا . وهذا يختلف بالأشخاص . وإنما الحب الضروري ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله [ 1 ] « من أصبح آمنا في سر به معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنّما حيزت له الدّنيا بحذافيرها » ومن كان بصيرا بحقائق الأمور ، وسلم له هذه الثلاثة ، يتصور ، أن لا يغضب في غيرها فهذه ثلاثة أقسام ، فلنذكر غاية الرياضة في كل واحد منها أما القسم الأول : فليست الرياضة فيه لينعدم غيظ القلب ، ولكن لكي يقدر على أن لا يطيع الغضب ، ولا يستعمله في الظاهر إلا على حد يستحبه الشرع ، ويستحسنه العقل . وذلك ممكن بالمجاهدة ، وتكلف الحلم والاحتمال مدة ، حتى يصير الحلم والاحتمال خلقا راسخا . فأما قمع أصل الغيظ من القلب ، فذلك ليس مقتضى الطبع ، وهو غير ممكن نعم يمكن كسر سورته وتضعيفه ، حتى لا يشتد هيجان الغيظ في الباطن . وينتهى ضعفه إلى أن لا يظهر أثره في الوجه . ولكن ذلك شديد جدا . وهذا حكم القسم الثالث أيضا