الغزالي
8
إحياء علوم الدين
الجدال . فإن الجدال يخيل إليه أنها حيلة منه في التلبيس ، وأن ذلك صنعة يقدر المجادلون من أهل مذهبه على أمثالها لو أرادوا . فتستمر البدعة في قلبه بالجدل وتتأكد . فإذ عرف أن النصح لا ينفع ، اشتغل بنفسه وتركه . وقال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « رحم الله من كفّ لسانه عن أهل القبلة إلَّا بأحسن ما يقدر عليه » وقال هشام بن عروة . كان عليه السلام يردد قوله هذا سبع مرات . وكل من اعتاد المجادلة مدة ، وأثنى الناس عليه ، ووجد لنفسه بسببه عزا وقبولا ، قويت فيه هذه المهلكات ، ولا يستطيع عنها نزوعا إذا اجتمع عليه سلطان الغضب ، والكبر ، والرياء ، وحب الجاه ، والتعزز بالفضل . وآحاد هذه الصفات يشق مجاهدتها ، فكيف بمجموعها ! الآفة الخامسة الخصومة وهي أيضا مذمومة . وهي وراء الجدال والمراء . فالمراء طعن في كلام الغير ، بإظهار خلل فيه ، من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير ، وإظهار مزية الكياسة . والجدال عبارة عن أمر يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها . والخصومة لجاج في الكلام ، ليستوفى به مال أو حق مقصود . وذلك تارة يكون ابتداء ، وتارة يكون اعتراضا . والمراء لا يكون إلا باعتراض على كلام سبق . فقد قالت عائشة رضي الله عنها ، [ 2 ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، « إنّ أبغض الرّجال إلى الله الألدّ الخصم » وقال أبو هريرة ، [ 3 ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط الله حتّى ينزع »