الغزالي

80

إحياء علوم الدين

وهذه الآفة تتطرق إلى المدح بالأوصاف المطلقة ، التي تعرف بالأدلة ، كقوله إنه متق وورع ، وزاهد ، وخير ، وما يجرى مجراه . فأما إذا قال رأيته يصلى بالليل ، ويتصدق ، ويحج ، فهذه أمور مستيقنة . ومن ذلك قوله إنه عدل ، رضا ، فإن ذلك خفي ، فلا ينبغي أن يجزم القول فيه . إلا بعد خبرة باطنة . سمع عمر رضي الله عنه رجلا يثنى على رجل ، فقال أسافرت معه ؟ قال لا . قال . أخالطته في المبايعة والمعاملة ؟ قال لا . قال : فأنت جاره صباحه ومساءه ؟ قال لا . فقال : والله الذي لا إله إلا هو لا أراك تعرفه الرابعة : أنه قد يفرح الممدوح وهو ظالم أو فاسق ، وذلك غير جائز . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ الله تعالى يغضب إذا مدح الفاسق » وقال الحسن . من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحب أن يعصى الله تعالى في أرضه . والظالم الفاسق ينبغي أن يذم ليغتم ، ولا يمدح ليفرح . وأما الممدوح فيضره من وجهين : أحدهما . أنه يحدث فيه كبرا وإعجابا ، وهما مهلكان . قال الحسن رضي الله عنه . كان عمر رضي الله عنه جالسا ومعه الدّرة ، والناس حوله ، إذ أقبل الجارود بن المنذر ، فقال رجل هذا سيد ربيعة . فسمعها عمر ومن حوله ، وسمعها الجارود . فلما دنا منه ، خفقه بالدّرة . فقال ما لي ولك يا أمير المؤمنين ؟ قال ما لي ولك أما لقد سمعتها ؟ قال سمعتها فمه . قال خشيت أن يخالط قلبك منها شيء ، فأحببت أن أطأطئ منك . الثاني : هو أنه إذا أثنى عليه بالخير فرح به وفتر ، ورضي عن نفسه . ومن أعجب بنفسه قل تشمره . وإنما يتشمر للعمل من يرى نفسه مقصرا . فأما إذا انطلقت الألسن بالثناء عليه ، ظن أنه قد أدرك . ولهذا قال عليه السلام « قطعت عنق صاحبك لو سمعها ما أفلح » وقال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « إذا مدحت أخاك في وجهه فكأنّما أمررت على حلقه موسى وميضا » وقال أيضا لمن مدح رجلا [ 3 ] « عقرت الرّجل عقرك الله »