الغزالي
74
إحياء علوم الدين
وذكر أن حكيما من الحكماء زاره بعض إخوانه ، فأخبره بخبر عن بعض أصدقائه . فقال له الحكيم ، قد أبطأت في الزيارة ، وأتيت بثلاث جنايات . بغضت أخي إلى ، وشغلت قلبي الفارغ ، واتهمت نفسك الأمينة . وروى أن سليمان بن عبد الملك ، كان جالسا وعنده الزهري ، فجاءه رجل ، فقال له سليمان ، بلغني إنك وقعت في وقلت كذا وكذا ، فقال الرجل ما فعلت ولا قلت . فقال سليمان ، إن الذي أخبرني صادق . فقال له لزهرى ، لا يكون النمام صادقا . فقال سليمان صدقت . ثم قال للرجل اذهب بسلام وقال الحسن . من نم إليك ، نم عليك . وهذا إشارة إلى أن النمام ينبغي أن يبغض ، ولا يوثق بقوله ، ولا بصداقته . وكيف لا يبغض وهو لا ينفك عن الكذب والغيبة ، والغدر والخيانة ، والغل والحسد والنفاق ، والإفساد بين الناس والخديعة . وهو ممن يسعى في قطع ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض وقال تعالى * ( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ويَبْغُونَ في الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) * « 1 » والنمام منهم . وقال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ من شرار النّاس من اتّقاه النّاس لشرّه » والنمام منهم . وقال [ 2 ] « لا يدخل الجنّة قاطع » قيل وما القاطع . قال « قاطع بين النّاس » وهو النمام ، وقيل قاطع الرحم وروى عن علي رضي الله عنه ، أن رجلا سعى إليه برجل ، فقال يا هذا ، نحن نسأل عما قلت ، فإن كنت صادقا مقتناك ، وإن كنت كاذبا عاقبناك ، وإن شئت أن نقيلك أقلناك . فقال أقلني يا أمير المؤمنين . وقيل لمحمد بن كعب القرظي ، أي خصال المؤمن أوضع له ؟ فقال كثرة الكلام ، وإفشاء السر ، وقبول قول كل أحد . وقال رجل لعبد الله بن عامر ، وكان أميرا بلغني أن فلانا أعلم الأمير أنى ذكرته بسوء . قال قد كان ذلك . قل فأخبرني بما قال لك . حتى أظهر كذبه عندك . قال ما أحب أن أشتم نفسي بلساني ، وحسبي أنى لم أصدقه فيما قال ، ولا أقطع عنك الوصال
--> « 1 » الشورى : 43