الغزالي
70
إحياء علوم الدين
فنقول معناه أنى لا أطلب مظلمة في القيامة منه ، ولا أخاصمه . وإلا فلا تصير الغيبة حلالا به ، ولا تسقط المظلمة عنه ، لأنه عفو قبل الوجوب . إلا أنه وعد ، وله العزم على الوفاء بأن لا يخاصم ، فإن رجع وخاصم ، كان القياس كسائر الحقوق أن له ذلك . بل صرح الفقهاء أن من أباح القذف ، لم يسقط حقه من حد القاذف . ومظلمة الآخرة مثل مظلمة الدنيا وعلى الجملة فالعفو أفضل . قال الحسن ، إذا جثت الأمم بين يدي الله عز وجل يوم القيامة ، نودوا ليقم من كان له أجر على الله . فلا يقوم إلا العافون عن الناس في الدنيا . وقد قال الله تعالى * ( خُذِ الْعَفْوَ وأْمُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) * « 1 » فقال النبي صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « يا جبريل ما هذا العفو ؟ » فقال ، إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك ، وتصل من قطعك ، وتعطى من حرمك . وروى عن الحسن ، أن رجلا قال له إن فلانا قد اغتابك . فبعث إليه رطبا على طبق ، وقال قد بلغني أنك أهديت إلىّ من حسناتك ، فأردت أن أكافئك عليها . فاعذرنى ، فإني لا أقدر أن أكافئك على التمام الآفة السادسة عشرة النميمة قال الله تعالى * ( هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ) * « 2 » ثم قال * ( عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ) * « 3 » قال عبد الله ابن المبارك . الزنيم ولد الزنا الذي لا يكتم الحديث . وأشار به إلى أن كل من لم يكتم الحديث ومشى بالنميمة ، دل على أنه ولد زنا ، استنباطا من قوله عز وجل * ( عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ) * والزنيم هو الدعي . وقال تعالى * ( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ) * « 4 » قيل الهمزة النمام وقال تعالى * ( حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ) * « 5 » قيل إنها كانت نمامة ، حمالة للحديث . وقال تعالى * ( فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما من الله شَيْئاً ) * « 6 » قيل كانت امرأة لوط تخبر بالضيفان ، وامرأة نوح تخبر أنه مجنون
--> « 1 » الأعراف : 199 « 2 » القلم : 11 « 3 » القلم : 13 « 4 » الهمزة : 1 « 5 » المسد : 4 « 6 » التحريم : 10