الغزالي

62

إحياء علوم الدين

وربما نقص اعتقادهم فيك ، إذا عرفوك بثلب الناس ، فتكون قد بعت ما عند الخالق يقينا ، بما عند المخلوقين وهما ، ولو حصل لك من المخلوقين اعتقاد الفضل ، لكانوا لا يغنون عنك من الله شيئا وأما الغيبة لأجل الحسد ، فهو جمع بين عذابين ، لأنك حسدته على نعمة الدنيا ، وكنت في الدنيا معذبا بالحسد ، فما قنعت بذلك ، حتى أضفت إليه عذاب الآخرة ، فكنت خاسرا نفسك في الدنيا ، فصرت أيضا خاسرا في الآخرة ، لتجمع بين النكالين ، فقد قصدت محسودك ، فأصبت نفسك ، وأهديت إليه حسناتك ، فإذا أنت صديقه وعدو نفسك ، إذ لا تضره غيبتك وتضرك ، وتنفعه إذ تنقل إليه حسناتك ، أو تنقل إليك سيئاته ولا تنفعك وقد جمعت إلى خبث الحسد جهل الحماقة . وربما يكون حسدك وقد حك ، سبب انتشار فضل محسودك ، كما قيل : وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود وأما الاستهزاء فمقصودك منه إخزاء غيرك عند الناس ، بإخزاء نفسك عند الله تعالى ، وعند الملائكة والنبيين عليهم الصلاة والسلام . فلو تفكرت في حسرتك ، وجنايتك ، وخجلتك ، وخزيك يوم القيامة ، يوم تحمل سيئات من استهزأت به وتساق إلى النار ، لأدهشك ذلك عن إخزاء صاحبك . ولو عرفت حالك ، لكنت أولى أن تضحك منك ، فإنك سخرت به عند نفر قليل ، وعرضت نفسك لأن يأخذ يوم القيامة بيدك على ملأ من الناس ، ويسوقك تحت سيئاته ، كما يساق الحمار إلى النار ، مستهزئا بك ، وفرحا بخزيك ، ومسرورا بنصرة الله تعالى إياه عليك ، وتسلطه على الانتقام منك وأما الرحمة له على إثمه ، فهو حسن ، ولكن حسدك إبليس ، فأضلك ، واستنطقك بما ينقل من حسناتك إليه ما هو أكثر من رحمتك ، فيكون جبرا لإثم المرحوم ، فيخرج عن كونه مرحوما ، وتنقلب أنت مستحقا لأن تكون مرحوما ، إذ حبط أجرك ، ونقصت من حسناتك وكذلك الغضب لله تعالى لا يوجب الغيبة ، وإنما الشيطان حبب إليك الغيبة ، ليحبط أجر غضبك ، وتصير معرضا لمقت الله عز وجل بالغيبة وأما التعجب إذا أخرجك إلى الغيبة ، فتعجب من نفسك أنت ، كيف أهلكت