الغزالي
57
إحياء علوم الدين
الثاني : موافقة الأقران ، ومجاملة الرفقاء ، ومساعدتهم على الكلام ، فإنهم إذا كانوا يتفكهون بذكر الأعراض ، فيرى أنه لو أنكر عليهم ، أو قطع المجلس ، استثقلوه ، ونفروا عنه ، فيساعدهم ، ويرى ذلك من حسن المعاشرة ، ويظن أنه مجاملة في الصحبة . وقد يغضب رفقاؤه ، فيحتاج إلى أن بغضب لغضبهم ، إظهارا للمساهمة في السراء والضراء ، فيخوض معهم في ذكر العيوب والمساوى الثالث : أن يستشعر من إنسان أنه سيقصده ، ويطول لسانه عليه ، أو يقبح حاله عند محتشم أو يشهد عليه بشهادة ، فيبادره قبل أن يقبح هو حاله ، ويطعن فيه ليسقط أثر شهادته ، أو يبتدئ بذكر ما فيه صادقا ، ليكذب عليه بعده ، فيروج كذبه بالصدق الأول ويستشهد ويقول ، ما من عادتي الكذب ، فإني أخبرتكم بكذا وكذا من أحواله ، فكان كما قلت الرابع : أن ينسب إلى شيء ، فيريد أن يتبرأ منه ، فيذكر الذي فعله ، وكان من حقه أن يبرئ نفسه ، ولا يذكر الذي فعل ، فلا ينسب غيره إليه ، أو يذكر غيره بأنه كان مشاركا له في الفعل ، ليمهد بذلك عذر نفسه في فعله الخامس : إرادة التصنع والمباهاة ، وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره ، فيقول فلان جاهل ، وفهمه ركيك ، وكلامه ضعيف ، وغرضه أن يثبت في ضمن ذلك فضل نفسه ، ويريهم أنه أعلم منه ، أو يحذر أن يعظم مثل تعظيمه ، فيقدح فيه لذلك السادس : الحسد ، وهو أنه ربما يحسد من يثنى الناس عليه ، ويحبونه ، ويكرمونه فيريد زوال تلك النعمة عنه ، فلا يجد سبيلا إليه إلا بالقدح فيه ، فيريد أن يسقط ماء وجهه عند الناس ، حتى يكفوا عن كرامته ، والثناء عليه ، لأنه يثقل عليه أن يسمع كلام الناس وثناءهم عليه ، وإكرامهم له ، وهذا هو عين الحسد ، وهو غير الغضب والحقد ، فإن ذلك يستدعى جناية من المغضوب عليه ، والحسد قد يكون مع الصديق المحسن ، والرفيق الموافق السابع : اللعب ، والهزل ، والمطايبة ، وتزجية الوقت بالضحك ، فيذكر عيوب غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة ، ومنشؤه التكبر والعجب